فكر الحداثة في ميزان مرايا عبد العزيز حمودة

فكر الحداثة في ميزان مرايا عبد العزيز حمودة – د.عبد القادر فيدوح (بحث مهدى إلى روح د.حماسة)
الكاتب د.محروس بريك بتاريخ 9 مارس، 2016 في في الأدب والنقد, نقد أدبي التعليقات على فكر الحداثة في ميزان مرايا عبد العزيز حمودة – د.عبد القادر فيدوح (بحث مهدى إلى روح د.حماسة) مغلقة
فكر الحداثة في ميزان مرايا عبد العزيز حمودة


د. عبد القادر فيدوح ـ جامعة قطر
في ضوء المرايا
ليس من شك في أننا لا نحتلف مع من يتصور أننا نعيش عصر المعايير المزدوجة، والزيف على حساب القيم الفاضلة، وقد لا نستغرب من مساعي بعض المفاهيم(1) الغربية المسعورة وما تجلبه لنا من قناعات قد لا تصلح لبيئتنا، بخاصة ما يتعلق بالتجديد، في حين تكمن وجاهة رأينا في غرابة ما يأتي من شرايين جسم الحداثة، الغريب، في انحرافاته، هذه الشرايين التي تنقل مرض ما يعتري تربتنا من نخر، لاسيما أولئك ” المتغربين ” الذين يتزعمون الحداثة بشقيها القَبْلي/ البَعْدي، وما ينتج منهم من ضرر أكثر بكثير مما يمنتج منهم من نفع، كونهم من صنع هذه الحداثة المزيفة، وبدوافع كثيرة ـ سواء منها اللغة، أو الثقافة الوافد إليها، أو المصالح النفعية ـ يشتغلون على محاولة تعليب نسقنا الثقافي وفق إرادة مريديهم، أو مصالحهم.

من هذا المنظور سوف نقف مع نخبة نأت بنفسها عن هويتها طلبا لشفاعة الحداثة التي يتكلمون باسمها من حيث موقعهم في المكان عينه، وتحديدا (2) ممن تبنوا تيار التغريب في أبعاده السياسية، والاجتماعية، والثقافية بهدف بسط نفوذ الحضارة الغربية المادية على حساب ثقافة المصدر، وتغليب فكرة فصل الذاتي عن الموضوعي. وفي ظل هذا الانفصام والتصدع ـ الذي أدى بالحداثيين، المتغربين، إلى إبعاد التوازن بين ما هو عقلي وما هو روحي ـ يجدر بنا أن نطرح على أنفسنا جملة من الأسئلة، لعل أهما: كيف نستلهم من هذه الحداثة رشدها والإمعان فيه بعد أن تعمق غيُّها وتبحرت فيه؟ وكيف يمكن تمييز الصالح من هديها والطالح من خيبتها، مادام لم يتحقق ما كان مأمولا ومطلوبا من مقاصدها.

وإذا كان ذلك كذلك فإننا سوف نستند، في دراستنا هذه، إلى تشخيص الظاهرة في ضوء ثقافة التجاوز والاستلاب التي انتقدها عبد العزيز حمودة من خلال الوسطاء الذين تبنوا الترويج للحداثة وما بعدها، ونصبوا أنفسهم أوصياء على ثقافتنا، وأرادوا تكريس التزييف، استئناسا بثورة الحداثة، كونها في نظرهم ـ جملة وتفصيلا ـ أداة تنوير، والترويج لها بهذه الصفة هو علة كل داء، كمن ” يتعاطى علاجَ داءٍ عَيَا “، لا لشيء إلا لأن أكثر ما جاء في الحداثة وما بعدها عديم العلاقة مع مطلوب الهوية، على النحو الذي أثبته عبد العزيز حمودة في مواقف كثيرة من كتبه. وأنا هنا لست في موقع الدفاع عن هذا الرجل النَّابِه، والمحتشِد، فكتبه وآراؤه أجدر وأحق مني بالدفاع عن نفسها، كما لن أسوغ لنفسي أن أنوب عنه بانتزاع صفة وكالة الحديث باسم آرائه، اعتقادا مني أن كل كلمة دفاع عنه لا تغنيه حقه، وما يغني عنه رأيي شيئا، أو قد لا تكون في مستوى طرحه الفائض عن طلب الحاجة، والفائر من غضب اللزوم، والثائر على ما حلَّ به من ردود أفعال رأى فيها غبنا على الهُوية الثقافية.

سديم اللاجدوى

منذ رواج مصطلح الحداثة والنسق الثقافي لدى أنصارها وهي محل المساءلة، هذه المساءلة التي لم تهدأ على حال، ولم تصل إلى نتيجة أكثر من تمكنها من الزيغ، والمخاتلة، وخلخلة منظومتنا الثقافية، وحلحلتها إلى التيه في نفق مظلم بفعل الدعوة إلى التجديد، ونبذ التراث، أو طمس آثاره في حالات كثيرة، كما يحلو للبعض أن ينصبوا أنفسهم قضاة لمحاكمة رصيدنا الثقافي من باب مراجعة هذا التراث، ومساءلته، ومن ثم تجديده، وهذا في حد ذاته نوع من التجني على الهوية والمغالطة في الطرح.

وإذا كان الفكر الغربي قد انطلق من تمحيص واقعه بما أهله لتدارك تجاربه، لما لهذه التجارب من مواصفات، ونظامها الثقافي وقواعدها الخاصة تتعلق بظروف اجتماعية وفكرية مرت بتحولات جمة، إذا كان الأمر كذلك عند الغرب، فإن الخطاب العربي ـ وفق هذا المنظور ـ لا يعدو أن يكون وميضا يطفو على أهداب واهية، أو لا يتجاوز كونه رَجْعاً لأصداء عديمة التأثير، إلى غير ذلك من معظم ما جاءت به الحداثة من مفاهيم طافية لم ترسخ حتى في بيئتها، ناهيك عن كونها تحاول عبثا رسوّها في بيئة أخرى، أو زرعها في تربة غير التربة التي أنشئت فيها.

وهذا لا يعني أننا في غنىً عن الإفادة من كثير من عناصرها ومميزاتها البناءة منها على وجه الخصوص، والتي من شأنها أن تسهم في التنمية البشرية، والعمل الحضاري المتكامل بين الشعوب والأمم.

ومن هنا يمكن اعتبار أية حداثة تفتقر إلى القابلية الذاتية، أو القابلية الواعية، وتنفصل عن مقومات الشخصية الوطنية أنها تفقد قيمتها، وتصبح بذرة فاسدة لا تصلح لهذه التربة، في حين تصبح ذاتَ قابلية عندما يكون لها معنى وقيمة إنسانية، وقادرة على احتواء التواصل والسيرورة لتشرئب إليها الأنظار، بعدما ترى في جوهر الثقافة كونها رؤية إنسانية، وليست رؤية استهلاكية.

ولكن، هل الحداثة واحدة؟

تشير الدراسات المتعمقة إلى أنها حداثات متنوعة، وقد تكون ـ أيضا ـ كل حداثة تتزيَّا بأوجه متعددة، وتتقنَّع بأقنعة مستجدات الحدث؛ الأمر الذي يؤشر سلبا على استتباب أمن المصطلح ويزرع فيه الفوضى وعدم الاستقرار، نظرا إلى السرعة القصوى التي تعمل فيها المعرفة. وإذا كان عدم استقرار الوعي المعرفي على حال معينة في الغرب، نظريا؛ لغياب ” موضوع الحقيقة ” و ” إبعاد المقاصد ” فإن الأمر مختلف تماما في ثقافتنا التي يصبح ” المعنى ” فيها عنصرا مترابطا، ونسيجا متحكّما في ما قبله، وباعثا تنظيميا لما بعده، ويصبح ما يؤسسه التاريخ يستوجب ترابط الاتصال؛ لأن كل نسق لاحق يتعزز بما سبقه ـ في نظر الكثير ـ وهو ما يعطي الهوية إمكانية الاستمرار والثبات؛ “ولأن علاقة الحاضر بالماضي هي علاقة سببية بفعل أداء الأعمال المنجَزة التي يحققها كل عقل منشئ لهذا العمل أو ذاك، أو لديه الرغبة في إنشائه، وهي علاقة ذات غاية، كون هذا الفعل متطلعا إلى المستقبل، وكون المستقبل محركا لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني الذي يرسم للفاعل غايته؛ أي من خلال الفكر. ومن هنا، تتكون دائرة السنن النوعية للتاريخ، والتي موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملا له غاية، عملا يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظاهرة الطبيعية، وهي العلاقة بالغاية والهدف، بالعلة الغائية، وفي هذه الحال يستوجب ثلاثة أبعاد، بعد السبب والعلة، وبعد الغاية، وبعد العمل الذي يكون حاملا لعلاقة مع هدف وغاية، ويكون في الوقت نفسه ذا أرضية أوسع من حدود الفرد؛ أي ذا موج يتخذ من المجتمع علة مادية له، وبهذا يكون عمل المجتمع (3) المحكوم بالحتمية الدقيقة التي تربط وحدة السبب بالمسبب في هذا الواقع المتجدد والمستمر من حيث لا ينفصل بعضه عن بعض إلا في الغاية، وذلك لأن العلة الغائية هي امتداد متغير ومتجانس مع متطلبات ومستجدات الحياة وبالنسبة إلى مقاصد كل واقع، وهذا ما يميز العلاقات المتبادلة بين كل واقع وآخر بوصفها متغيرات من آن إلى آن، ومن مرحلة الإمكان إلى مرحلة التحقق والإنجاز، ومن فعل التأسيس إلى التكوين الحضاري بالتدرج.

إن دعوة التنويريين إلى اللحاق بمزاعم ما بعد الحداثة يبرر انتهاك الذات في هويتها، وإخضاعها للتبعية، ولتكون أداة لمصالح الحداثة الأصل ” الغرب”، ومن ثم فإن الحداثة بالنسبة إليهم هي حداثة أفكار مجردة من محتواها الفعلي، أو من أي نشاط إجرائي، كونها نابعة من معين غير معيننا، وما لم تجد هذه النزعة الحداثاوية ـ في ساحتنا العربية ـ الأرض الخصبة المناسبة لها ـ وهذا مستبعد ـ ستظل غريبة؛ لأن هذه الحداثة ـ وما بعدها ـ لم تتشكل من داخل البيئة العربية، أو بالأحرى لم نسهم في تكوينها أو بلورتها، كما أنها لم تحفر في خصوصية المرجعية التاريخية ليستمد منها مقوماتها حتى تستطيع مواكبة الركب، بفعل حفرياتها الذاتية كما وقع في الغرب. ولعل هذا ما عبر عنه إيمانويل كانط E. Kant بمفهوم القبلي الذي يعد شرطا لتأسيس التجربة، ويحدد أيضا وظيفة النقد بوصفها آلية منهجية يراعي النسق الثقافي ضمن إطار هوية، لها قواعدها، وخصوصية وجودها على أن يكون ذلك بحسب Michel Foucault فوكو وفق أنساق التحولات. وانطلاقا من هذا المنظور تكون ثقافتنا في غنى عن هذا الجنس الغريب، كما أنها في غنى عن الوسطاء من التنويريين الحداثويين ممن تغربوا.

أما أن تكون ثقافتنا مجترة، ومكرورة، ومنغلقة، فالخطأ لا يكمن في الثقافة بقدر ما يكمن في تشخيص السبب الذي يعود بالدرجة ألأولى إلى هؤلاء التنويريين أنفسهم، وهنا تحضرني مقولة لأحد الأساتذة الذين عايشوا مالك بن نبي، حيث ذكر هذا الأخير أنه حين كان يأوي إلى أحد الأحياء السكنية الجامعية في باريس في الخمسينات كان الطلبة الجزائريون يجتمعون في إحدى الغرف فيقضون ليلهم في المسامرة ولعب الورق، في حين كانت هناك غرفة مجاورة للطلبة اليابانيين الذين كانوا يجتمعون كل أسبوعين فيترجمون محاضراتهم ودروسهم من الفرنسية إلى اليابانية ويرسلونها إلى بلادهم (4) ، فأين هي إذن غيرة هؤلاء الحداثويين، وحاملي شعار التنوير الفكري وهم يلهثون للسعي إلى التلبس بلبوس ما بعد الحداثة؟

لذا، فإن أية حداثة، أو أي جهد، لتحقيق هذا المسعى ما لم ينطلق من قاعدته، كما كان عليه الشأن في الغرب، لا يكتب له النجاح، وهذا لا يعني أننا نسلك نهج من ينكر التأثر بالفضاء المناسب لما تأتي به رياح الآخر في حدود ما ينسجم مع هويتنا، وما تستوجبه الحاجة لتعزيز مكوناتنا التي نسعى إلى تطويربنياتها ضمن إطار الاعتماد المتبادل بين المعارف والثقافات، ولعل هذا ما جعل جمال الدين بن الشيخ يقول: “إني أشعر بالمرارة لكون الطلبة والنقاد العرب يظنون أن التجديد مرتبط بالاطلاع على آخر الموضات الفكرية النقدية، ومن ثم ولعهم بترويج المصطلحات الغربية”.

لقد كان حريا بهؤلاء التاثر بالغرب والإفادة من ثقافته، بخاصة ما يفيد، لإنتاج فكر قومي وصناعة مفاهيم نابعة من أسئلة الفكر العربي ومنابعه الثرّة، تحاذي الوقائع الفكرية المنتجة في جميع المجالات ثقافيا، وفكريا، واقتصاديا، واجتماعيا،… وكل ما يتعلق بإدارة أفكار الأمة، وإخضاعها إلى الممكنات التي تعكس خصوصيتها، لا خصوصية غيرها بغرض تشخيص الوقائع وتجاوزها إلى ما هو أفيد وأسمى، تباعا.

نفق التيه

من الخطأ أن ننجر وراء ميدان الوصف الحفري بالشكل المفرط، و” ترك الحبل على الغارب” على النحو الذي دعت إليه الحداثة الغربية، ومن ضمن مفكريها فوكو Michel Foucault الذي درس الممارسات الخطابية على أساس ” المنظومة المعرفية” بوصفها أرضية فكرية تتبدل وتتنوع، تظهر وتختفي معالمها بحسب تطور الأزمنة وتوالي الأجيال، وبحسب تطورالاستراتيجيات المعرفية التي ترفض الرابط السببي بين السابق واللاحق؛ لأن وراء هذا الانسياق هدم للذاكرة، وخلخلة مرجعيتها، وتناثر ثقافتها، واهتزاز مبادئها، وفي ذلك إقصاء للمضامين والدلالات والقيم المعرفية، وإلغاء سياق ما كان عليه السابق، في مقابل ما نحن بصدد تأسيسه من جديد، وهذا محال أن يكون الجديد بمعزل عن القديم، ولا أن نكون كما ينبغي على حساب الوثيقة المرجعية، وبهذا يكون ” الانبهار بمنجزات العقل الغربي، في حد ذاته، ليس خطيئة لا تغتفر، لكنه يصبح كذلك حينما يُقرن بالتنكر للتراث الثقافي العربي أو المناداة، كما تفعل النخبة، بضرورة حدوث ” قطيعة معرفية ” كاملة معه كشرط لتحقيق التحديث والحداثة (5).

ولعل الخوض في مثل هذا التصور يمثل أعلى درجات التصدع، والدخول في متاهات الانفصال في تباين المتصل وتباعد بنياته، وتيهان الانفصام في قطع التواصل مع الماضي وفقدان الشخصية، وتكريس فكرة الاختلاف من أجل الاختلاف، في حين أن ما من معرفة ـ كانت أو ما زالت ـ إلا وهي محل فعل اتصال وتواصل. وهذا ما جعل عبد العزيز حمودة يعرب عن رأيه بصورة متذمرة من موقفه من الحداثيين العرب، معتبرا ” أننا حينما نستخدم مفردات الحداثة الغربية ذات الدلالات التي ترتبط بها داخل الواقع الثقافي الحضاري الخاص بها، نحدث فوضى دلالية داخل واقعنا الثقافي الحضاري. وإذا كنا ننشد الأصالة فقد كان من الأحرى بنا أن ننحت مصطلحنا الخاص بنا، النابع من واقعنا بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ لأن الهوة بين الواقعين الغربي والعربي واسعة سحيقة، لا يكفي الادعاء الأجوف بإقامة جسور فوقها لأن ينسينا إدراك الاختلاف. وحينما ننسى ذلك الشعور بالاختلاف نقع في المحظور لأننا نتناسى مجموعة من المحاذير التي تجيء مع هذا الإحساس بالاختلاف (6) .

إننا نعتقد أن المغالطة لدى كثير من التنويريين كانت تتوزع بين الحداثة والتحديث على نحو متناظر، وكأن نظرتهم تتقمص التحديث في وجهه الحداثي الذي يميل إلى الارتباط بالآخر المتعسف، في وقت كان يمكن الاعتماد على المظهر الذاتي الذي يُظهر الذات بوصفها أداة متحررة في أفكارها من الآخر. وفي هذه الحال يكون الدارس مدعوا لأن يقدم ما هو في عمق مشاعر الذات من خلال طلب الحاجة المناسبة المجردة من أية أيديولوجية، على النحو الذي دعت إليه الحاثة في سياقتها الإجرائية مع واقعنا فكرا وسلوكا.

ولكن، إلى أي مدى استطاعت الإيديولوجية أن تتغلغل في نفوس الحداثيين لتحول فكرة التحديث ـ التي كانت مطلبا طبيعيا، بحسب سنن الحياة ـ إلى فكرة الحداثة التي عكستها الإيديولوجية في واقعنا العربي؟ ولماذا استخدمت خصيصا لضرب التراث؟.

هذه هي الجدلية التي أخذت حيزا معتبرا في خطابنا المعاصر باسم الحداثة، وحمّل أصحابها التراث، في ضوئها، مسئولية تعطيل العقل العربي، واعتباره عائقا يقف في وجه كل تحديث[!..] ومازالت الإشكالية مدار الجدل بين الكثير من أنصار الحداثة وخصومهم. غير أننا نعتقد أن الإحساس ـ فقط ـ بالتفكير في الخوض في هذه الجدلية العقيمة مدعاة لضياع الوقت وإهدار الجهد. ولعل ما يدعو إلى الدهشة هو الخلط بين مصطلحي الحداثة والتحديث في سياق النسق الفكري لدى الكثير من الحداثيين العرب، فإذا كان مصطلح التحديث موجودا منذ أن كان التفكير، على اعتبار أنه مقرون بالمجايلة Generation على مر العصور، فإن الحداثة التي لم نسهم في نشأتها هي ثورة فكرية تسعى إلى التغيير الجذري لثقافة السابق، القبلي، والدعوة إلى التمرد على الواقع بكل أشكاله، وهذا ما جعل عبد العزيز حمودة يقول: ” إن الربط بين ” الحداثة ” و ” التحديث ” كان هو الخديعة الكبرى التي قام بها الحداثيون العرب عندما وجهوا الرغبة الشعبية الشاملة في التحديث، بعد الهزيمة العسكرية، في اتجاه تبني الحداثة دون أن يدركوا، إذا افترضنا حسن النية، أو في تجاهل متعمد، إذا افترضنا سوء النية، أن التحديث لا يعني ” الحداثة ” بالضرورة، وأن هناك اختلافات جوهرية بين ثقافة الحداثة الغربية والثقافة العربية” (7) .

إن الحداثة ممارسة، وليست بناء نظريا لمعقولية الأفكار المستوردة، أضف إلى ذلك أنها خطاب يعكس نسيج هذه الممارسة لفعل الإنتاج الذي تجسده الذات، ومن ثم فإن كل ما يقال من حداثة وظيفية لا قيمة له إن لم يمر عبر جسر الممارسة المنتجة، هذا الجسر الذي يحمل الرقيب على كل ما هو مشوش للذات، وإمكانية توظيف الصالح من استقطاب منافعها خدمة للمصلحة الوطنية، والهوية على وجه التحديد، والكشف عن ملابسات أوجه الائتلاف والاختلاف بين دوافع ثقافة المصدر وثقافة الهدف، أي ثقافة الذات وثقافة الآخر. وإبراز ممارسة كل ثقافة لها إمكاناتها الخاصة، وتفاعل بعضهما ببعض. وقد أشار شكري عياد إلى أنه ” لا شيء أصعب من أن ننظر إلى الحقائق كلها في وقت واحد، فكم يكون الاختيار سهلا لو تعامينا عن بعضها، وأصحاب الحداثة ـ كبارهم وصغارهم ـ يتجاهلون نقائص الحضارة الغربية، مع علمهم بهذه النقائص، كأن إيمانهم بتفوق العقل الغربي ونجاح المجتمع الغربي بلغ حد الإيمان بقدراتهم على التغلب على جميع المشكلات،أو كأن التفكير في نقائص الحضارة الغربية يجب أن يؤجل إلى أن نصبح جزءا من هذه الحضارة بالفعل (8).

وقبل ذلك، كان علينا أن نسأل: ماذا جلب لنا هؤلاء الحداثيون، بخاصة منهم المتغربون، من منافع تعكس مكامن جوهر الحقيقة الإنسانية، غير تأكيد النزعة الفردية التي اتخذت شكل الإسهام في التحلل والتفكك. ولنا في هذا مثال تركيا بوصفها دولة مسلمة تتشابه في تعاطيها مع الحداثة على النحو الذي يتعاطى فيه حداثيونا، وفي هذا الشأن يرى علي عزت بيغوفيتش (9) Alija Izetbegović أنه ” قد يبدو النموذج التركي الذي جاء به مصطفى كمال أتاتورك مفجعا، ومع ذلك فانه يمثل النمط الغربي لفهم مشكلات العالم المسلم، كما يمثل الطريقة التي يفكر بها الغربيون والمستغربون في معالجة هذه المشكلات.. وقد أدى بنا هذا إلى مصير واحد، هو التغريب والانسلاخ أو الهروب من المشكلات الحقيقية، ومن العمل الجاد للارتفاع بالناس اخلاقيا وتعليميا، كما أدى بنا إلى الخارج والسطحي والمصطنع.فما الذي يعنيه استقلال دولة مسلمة وقعت إدارتها وتسيير حياتها العامة في أيدي هذا النوع من الناس المستغربين ودعاة الحداثة؟! ما قيمة هذا النوع من الاستقلال.. وما الذي استفاده شعبها من هذا النمط من الاستقلال والتحرر؟” (10).

لا نشك في أن معظم هؤلاء الحداثيين المتغربين قد صنعتهم الحداثة وما بعدها على نمط أشكال متشيِّئة، تحاول حصر ما تبقى من العقل العربي وتحويله إلى أشياء مجردة من القيم الإنسانية في وجودها، ومن ثم فقد وجد هؤلاء الحداثيون ـ في نظر عبد العزيز حمودة ـ أنفسهم في موقع المهاجم بجدل عقيم، سبقهم إليه المستشرقون من ذوي النزعات المغرضة لمواجهة خيارات الرغبة في الوصول إلى المساهمة في بناء الحضارة الخالصة، والإفادة من توجهاتها السليمة، ولو كان لدى هؤلاء النية الصادقة في المساهمة، بتأثير نجاح الحداثة المزعوم، لشاركوا في صناعة ثقافة وطنية تستعين بثقافة الآخر الراجحة في البناء والتشييد، ومستمدة من النشاط الفكري، والوازع الروحي، والحس الجمالي، على حد سواء، غير أن الوضع لم يكن بحسب رغبة ـ روح ـ مطامح الهوية، فشاءوا لا ماشاءت هذه الرغبة في أن يضعوا ثقافتنا موقع الفرجة المشهدية، والصورة التشهيرية للذات على حساب مصالح ـ في غالبها ـ نفعية.

والحداثة بهذا الشكل ليست انفصالا عن الذات فحسب، بل هي انفصام عن الشخصية، وقطعُ التواصل مع الهوية، ونصْلٌ حاد ينخر ثقافتنا، وهذا ما جعل عبد العزيز حمودة يعتبر، بنبرة مُرَّة، تحامل بعض الحداثيين المتغربين على هذه الثقافة، ومطاردة ثوابتها حين قال: ” لقد طاردنا الحداثيون من منابع الحداثة الأصلية وفي عالمنا العربي بأفكار براقة، ومصطلح نقدي أكثر بريقا، وجذبا لسنوات طويلة. وقد أعمانا هذا البريق عن حقائق كثيرة أبرزها المراوغة المقصودة والغموض المتعمد، مما جعل الحداثة في نهاية الأمر ناديا لنخبة النخبة”(11) .

وعلى الرغم من شراسة التحديات يؤكد عبد العزيز حمودة أهمية دور رصيدنا الثقافي، والإفادة من المنابع الثرَّة التي توصل إليها القدامى، وإمكانية جعْلها سوْغَ النظريات الغربية التي لا تبتعد كثيرا، في بعض تصوراتها، عن مثيلاتها في مصادر تراثنا، مادام الغرب نفسه يعترف بذلك بعد أن أذاب كثيرا من المفاهيم في رصيده المعرفي، حين أخذها من مصدرها الأصلي لدى ثقافة الشعوب والأمم الأخرى، بخاصة الثقافة العربية التي ليّن الغرب طبْعها وجعلها في متناول ذوقه، واصطلاحاته، فاحتوى معناها شأن احتواء شخصية أصحابها ـ من الخَلَف ـ تباعا؛ الأمر الذي أحدث حيرةً ودهشةً لدى الجيل الجديد من الحداثيين العرب بصورة أكثر، حيث لم يكن ” في يوم من أيام اتصاله بالثقافة والحضارة الغربيتين أكثر انبهارا بهما مما هو اليوم… وهو انبهار أعمى الحداثيين العرب عن إدراك الاختلافات، من ناحية، ودفعهم بسبب إيمانهم بضرورة تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي كشرط لتحقيق الحداثة، إلى احتقار التراث من ناحية ثانية، ثم الوصول بالتبعية الثقافية للغرب إلى أبعد نقطة فيه من ناحية ثالثة، والنتيجة أن أصبح العقل العربي منفعلا وليس فاعلا”(12).

لقد كان على حداثيينا احتواء أبعاد مضامين الحداثة الفكرية النافعة، وقيمها المعرفية النبيلة؛ لمواكبة الركب الحضاري، ليس بغرض التقليد، أو استنساخ مبادئها، ولكن بدافع الفهم والاستيعاب رغبة في امتلاك الأدوات الإجرائية، ومحاولة تطبيقها على واقعنا، ومشروعنا، إن كان هناك مشروع تحديثي فعلا، كانوا قد بادروا بتأسيسه. ويجدر بنا هنا أن نضرب مثالا جاء به الفيلسوف والناشط السياسي علي عزت بيغوفيتش Alija Izetbegović بما فعله كمال أتاتورك في تركيا ويقارنه بما فعلته اليابان، فقد استطاعت اليابان ان توحد بين تقاليدها وقيمها الثقافية الخاصة وبين متطلبات التقدم، في حين اتجه دعاة الحداثة في تركيا إلى سلوك طريق معاكس فتخلوا عن تقاليدهم وانطلقوا في طريق التغريب.. ويتساءل (علي عزت): ماذا كانت النتيجة؟ يقول: أصبحت تركيا ـ التي كانت في الماضي هي العالم الأول ـ دولة من الدرجة الثالثة بين كثرة من الدول المتخلفة، بينام صعدت اليابان إلى قمة العالم الأول.. انطلق الياباني بتوازنه الروحي والعقلي متحمسا في بناء حضارة جديدة طبعها بخصوصيته الثقافية، في حين وجدت الأجيال التركية نفسها بلا دعامة روحية تقوّم بها حياتها، وهالها ذلك الفراغ الروحي الذي أطبق عليها بعد أن فقدت ذاكرتها التاريخية وتوازنها النفسي، فانهارت وقد خسرت ماضيها ومستقبلها معا (13) !

لا أحد ينكر أهمية التكنولوجيا الحديثة، ومصدرها الغرب، وأهمية دورها في تنمية القدرات البشرية مع تقدم التطورات العلمية وما بها من رغبة جامحة في تواصل اكتشاف منتجات العقل التجريبية، لا يمكن الاستغناء عنها، غير أن هذا شيء وما أفاد الحداثيين من تقنيات هذه الاكتشافات وتسويغها بما يتلاءم مع النهوض بإمكاناتنا وطاقاتنا شيء آخر. ومعنى ذلك أن عدم الاستخدام الجيد لهذه التقنية أدى بهم إلى الانبهار بالغرب والارتماء في أحضانه، والتعلق بالإفادة من شكليات الحداثة، والتفريط فيى التأثر بمنجزاتها الهادفة والملائمة لأغراض العلم النبيل، ونتيجة لذلك يكون القصور نابعا بالدرجة الأولى من الذي رعى الحداثة وما بعدها، وتولى أمر شئون نشرها، عندما انتصر[ !..] في إذابة شخصيته في الآخر بالهجر الكامل من ثوابته (14) .

وترى بعض الدراسات أنه ليس هناك حقيقة واحدة، فيما له صلة بموضوع الحداثة، وإنما كل مرحلة تاريخية تصنع حقيقتها لذاتها، وهذه مغالطة ينفيها العقل البشري، وسنن الطبيعة، كما نفتها الفلسفة الهيجلية؛ لأنها تعبر عن انهيار سبل الاتصال، وإلغاء ما أنجزه العقل على مر الأزمنة، أضف إلى ذلك أنه اعتراف ضمني بتدمير الهوية، من منظور أن كل نسق جديد يجعل التفكير في الماضي مستحيلا، ومن ثم ينعدم المركز المحوري للتفكير، وهذا محال. وإذا كان ذلك كذلك كما دعت إليه فلسفة المعرفة العقلانية عند الغرب، فإن محصلة ما ترمي إليه هو موت الإنسان المنتِج، واستبدال أعماله به، كونها نتاجات مشتركة، مصدرها النسق الثقافي العام وليس الإنسان في حد ذاته، ويكون نتيجة لذلك هو أن ما عمد إليه أنصار هذه الدعوة، وعلى رأسهم فوكو Foucault هو تهديم هوية العقل البشري عندما أرادوا له أن يسهم في تدمير الحقيقة وتجميد المعنى.

ومن هنا ينبغي توخي الحذر من أن ” القبلي ” في مفهوم كانط E. Kant بوصفه مرجعية تأسيسية ثابتة ليس مجرد أحداث وقعت نتعامل معها كوقائع تاريخية، وإنما سبقها وتقدمها، عن إرادة واعية، لما يجري في حياتنا ـ وعلى مرِّ الأجيال ـ صفة ملازمة لنا، ودلالة تشكل مصداقية هويتنا، ومن ثم فهي قيمة معرفية تسهم في بلورة خطابنا بما ينبغي أن يكون عليه خطاب المصدر في شقه الأول (15) وتوضيحه ونفي الشوائب عنه من وظيفة مصطلح ” الحفريات ” الذي دعا إليه فوكو.

والحداثة عند الغرب ـ وعلى رأسهم فوكو ـ تعتبر موقفا وليست تعبيرا عن حالة زمانية، ونعني بالموقف هنا زعزعة التاريخ ” القبلي” ومعايشة الحاضر على أنه سلوك عرضي، وقتي، وليس مبادئ وقيما. ولعل هذا ما أثار حفيظة عبد العزيز حمودة وحميّتة، في أثناء تعرضه لنسختي الحداثة في شقيها: العربي والأصلي في كتابه “المرايا المحدبة”، وذلك حين اعتبر” أن الحداثة الغربية أعادت جدولة العلاقة بين الإنسان والآخر والقوى الغيبية, بين الإنسان والوجود بجوانبه. في حين انشغلت الحداثة العربية بعلاقة الإنسان مع لقمة العيش، مع السلطة, مع التخلف الاجتماعي والثقافي. وذلك كله في إطار اختلاف أرض الواقع الثقافي والحضاري التي يقف فوقها النقاد الحداثيون الغربيون عن الأرض التي يقف عليها نقادنا, مما يسمح لأولئك الغربيين بالتفلسف والتأمل وصياغة نظريات وأفكار حول قضايا تعتبر من قبيل (الترف الفكري) لدينا. فهو ترف لا يشكل غاية من غايات الحداثة في نسختها العربية البائسة! (16).

ويبدو الموقف حافلا بالنقاط الخلافية بين الحضارتين، لما بينهما من تباين سواء من حيث الخصوصية الزمانية أو من حيث الحمولة الفكرية التي تشتمل عليها كل منهما في اتجاهين متضادين، ناجمين من واقعين مختلفين، يحكمهما التاريخ والموقف الإيديولوجي المتغيرين بين الحداثتين الغربية والعربية، وفي هذا الشأن يقول عبد العزيز حمودة: ” إن اختلاف الواقع العربي وهو واقع تحده أبعاد تاريخية واجتماعية واقتصادية محددة، عن واقع العالم الغربي الذي أفرزه الحداثة، يجعل نقل الحداثة الغربية بقيمها المعرفية الجديدة والمصطلح النقدي الذي تولد عنها إلى واقعنا العربي ضربا من العبث في الدرجة الأولى” (17).

من هذا المنظور تتعدد مبررات مكمن عطب، وتفكير، كثير من الحداثيين العرب، المتغربين، النابع من:
• التشبع بلغة الإدانة.
• كراهية التراث.
• تسليم الأمر إلى من يشفع لهم بمزايا نفعية على حساب هوية الذات.
• اعتقادهم إمكان انعكاس رصيد الحداثة ـ حرفيا ـ إلى مواطن أخرى.
• تقديسهم العقل على حساب التكامل مع الجانب الروحي.
• الرغبة في التغيير من غير مراعاة الخصوصية المحلية.
• إقصاء خصوصية الهوية.
• الشوزيفرينيا الفاقعة، وحب الظهر بذريعة مقاومة التخلف.
• تبني شعارات وُضِعت أصلا لذويها.
• تعويض الاغتراب النفسي بالحضور الانتقادي على الذات.

والحال هذه، أن الحداثي المتغرب في نظر عبد العزيز حمودة يعيش حالتين، في الحالة الأولى يعيش حضورا زائفا في الغرب، ناجما عن الرغبة في تأكيد الوجود هناك، ومن ثم فإن هذا الحداثي المتغرب يكون فريسة ثقافة الآخر التي أراد أن يخدمها طواعية، أو مقابل الرضا عنه. وفي الحالة الثانية يعيش حضور الغياب في وطنه الأصل، كونه يرسم هذا الوطن في تلافيف الخيال الموهوم، والانتقاد المسعور، بعد تأثره بتكنولوجيا الإثارة والمتعة الاستهلاكية، والتي يراد لها أن تسوّق على لسانه كمدخل ترويضي.

وما نقوله عن وعي الحادثة وما بعدها في نظر هؤلاء، نقوله أيضا عن ثقافة التقليد الأعمى، السائدة، وثقافة المصادرة وما تبعها من ثقافة الاستلاب التي تتبناها بعض الأصوات المحلية، كما تتبناه بعض وسائل الإعلام المشبوهة، وكأننا بهم يقودون المسيرة المعرفية، والمسار الثقافي، عبر رحلة سفر بوسائل مغرضة إلى المجهول، وفي حال الارتماء في هذا الانجراف لن يبقى لنا من هويتنا إلا قاموسنا اللغوي المشترك لربط الصلة فيما بيننا، وإذا تمكنت الحداثة، أو ثقافة الإقصاء، من ضرب هذه الوسيلة فمن دون شك أن باقي الثوابت ستتأثر ـ بشكل أو بآخر ـ وسيظل كل جهد منقوصا من دون لغة، ومن دون هوية.

إن ما يهدد ثقافتنا لا يختلف من قريب أو من بعيد على ما يجري في باقي المؤسسات الأخرى، سواء أكانت وطنية أم قومية، من هذا الشبح الوارد باسم ما بعد الحداثة، على وجه التحديد، التي تسعى إلى بث الفكر المميت الذي يسلب الشخصية من هويتها، وتبني الشعارات الجوفاء، والمفاهيم التي لا تصلح إلا لمنْبَت ذويها، استوجبتها مصلحة خاصة، غالبا ما كان يغلب عليها طابع الرغبة الحسية، و”نهاية التاريخ ” و ” موت الإنسان” والعناية بـ ” الهوامش الاجتماعية ” ـ إلى غير ذلك من من المعطيات المعرفية المثيرة للجدل ـ في مقابل جوهر الإنسانية في مساعيها ومقاصدها. ومن ثم فإن هذه الحداثة وما بعدها مهما توصلت إلى نتائج فإن معظمها ـ حتما ـ سيكون خارج نطاق حاجتنا وهويتنا ما لم تنبع من خصوصيتنا، والحال هذه ستظل زبدا يذهب جفاء. لذلك اعتبر عبد العزيز حمودة أن ” ثنائية الانبهار بالعقل الغربي ومنجزاته، واحتقار العقل العربي ومنجزاته تقع في قلب الشرخ الثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي بدرجات لا تتفاوت كثيرا من جماعة عربية إلى جماعة عربية أخرى، وبدلا من منطقة يأخذ فيها المثقف العربي ما يتناسب مع ثقافته العربية وتراثه الطويل، نجد الغالبية تعيش الثنائية بكل تناقضاتها وفصامها. صحيح أن هناك قلة بين المثقفين العرب لم يفقدهم إنجاز العقل الغربي قدرتهم على الاحتفاظ بتوازن صحي بين طرفي الثنائية من منطلق إدراكهم أن إنجازات العقل الغربي ليست خيرا كلها، وأن إنجازات العقل العربي ليست شرا كلها، وأدركوا أيضا عكس ذلك، فليست إنجازات العقل الغربي شرا كلها، وليست إنجازات العقل العربي خيرا كلها (18).

ولعل عبد العزيز حمودة في محصلة أفكار أنه يتمثل ” اللامقول في القول” رغبة في البحث عن بدائل معرفية من شأنها أن تسهم في بناء الأفكار، سعيا منه إلى البحث عن ضوابط خاصة تتحكم في ممارسة خطاب هويتنا. كما أراد أن ينصف بعض المفاهيم النقدية الغربية المفيدة نظير المفاهيم النقدية العربية النافعة، ويقدم لها تفسيرا ينهج بها إلى ما يبرر وجودها بين ثقافتنا المعاصرة بوصفها السبيل الوحيد ـ على الأقل مؤقتا، على أمل أن تتبلور الفكرة تباعا ـ لإعطاء بديل نقدي يعكس هويتنا.

وفي خِضم هذا المنظور، تشكل دراسة عبد العزيز حمودة نقدا ذاتيا ـ ليس إلا ـ بين متن النص الحداثي الهادف، وتأكيد أشكال الحياة الثقافية الذاتية التي تتوافر فيها الشروط المعرفية الناجعة، وتعين على فهم علاقة التواصل مع الآخر.وبذلك يكون قد حاول رأب صدع الحداثيين الذي شق ضميرَهم انفجارُ نهر الحداثة الجارف. وليس أدل على ذلك من قول الشاعر:
يَرْأَبُ الصَّدْعَ والثـأْيَ برَصِـينٍ، مِنْ سَجَايا آرائِه، ويَغِـيرُ
________________________________________________
الهوامش:
1. نستثني من ذلك النظريات والمفاهيم العلمية التي وضعت في خدمة الإنسان والتنمية، وتطوير العملية الإنتاجية والأساليب المستخدمة فيها.
2. مع تحفظنا الشديد على من يشتغل بنوايا حسنة هدفهم الإفادة من محاسن الحداثة ومنافعها في توجهاتها السليمة، ونقض سلبياتها.
3. ينظر، باقر الصدر: مقدمات في التفسير الموضوعي، ص 77.
4. ينظر، مصطفى بن حموش: مالك بن نبي، دورة الحضارة والمواعيد الضائعة، موقع مالك بن نبي، الرابط www.binnabi.net
5. المرايا المقعرة، 31.
6. عبد العزيز حمودة: المرايا المحدبة، ص 34.
7. المرايا المقعرة، ص 29.
8. شكري عياد: المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، سلسلة عالم المعرفة، 1993، 17- 18. وانظر أيضا تعليق عبد العزيز حمودة: الرواية المقعرة ص 32.
9. من أسرة بوسنية عريقة في الأسلام [ 8 أغسطس 1925 ـ 19 أكتوبر، 2003 ] أول رئيس جمهورية للبوسنة و الهرسك بعد انتهاء الحرب في البوسنة، ناشط سياسي بوسني و فيلسوف إسلامي، ألف عدة كتب أهمها: الإسلام بين الشرق و الغرب.
10. محمد يوسف عدس: رؤية المفكر البوسني علي عزت بيغوفيتش، البلاغ، الرابط www.balagh.com
11. المرايا المحدبة، ص 8.
12. المرايا المقعرة، ص 37.
13. محمد يوسف عدس: رؤية المفكر البوسني علي عزت بيغوفيتش، مرجع شسابق
14. جاء على لسان كثير من الباحثين أن الطهطاوي صاغ ثقافة القطيعة مع الله والغيب والدين والبراعة في العلوم الدنيوية شعر ا قال فيه: أيوجد مثل باريس ديار…. شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباح….أما هذا وحقكم عجيب
15. نعني بالشق الأول: العودة إلى الماضي في إيجابياته، ونعني بالشق الثاني ـ من هذا المصطلح ـ بالشك في مرجعية الذات النموذجية.
16. محمد علاء الدين عبد المولى: مقدمة في نقد الحداثة- بين البدعة والاختلاف، الحوار المتمدن – العدد: 1434 – 2006.
17. المرايا المحدبة، ص 37.
18. المرايا المقعرة، ص 31.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *