صورة النقاد الحداثيين العرب في مرايا عبد العزيز حمّودة – عبد الهادي المهادي

بين يديّ كتب كثيرة ومقالات أكثر وجهّت سهام النقد والنقض للحداثة الأدبية العربية: إبداعا ونقدا، وكلها ـ تقريبا ـ تتفق على أن هذه النسخة من الحداثة ولدت معاقة، بل وممسوخة، لكن العمل الذي أشعل الحريق في بيت الحداثيين، وكانت ضرباته موجعة، هي ثلاثية عبد العزيز حمودة الشهيرة: “المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك” و”المرايا المقعرة: نحو نظرية نقدية عربية” و”الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص”؛ ذلك أنه يُعتبر من القلائل جدا الذين اشتغلوا من داخل بنيتهم، وعملوا في النهاية على تعريتهم وفضح لَعبهم وتلاعبهم. وينفرد الرجل من بين زملائه بتجربة مريرة مع الحداثة العربية، مختصرها أنه ظل ـ ولمدة طويلة ـ يصاحبه شعور يمتزج فيه الانبهار بالعجز أثناء تعامله مع النصوص والدراسات الحداثية، وفهم أهدافها، بل وفهم وظيفة النقد ذاته، في ظل مخاتلة المصطلح واللغة النقديين الحداثيين.

هذه المعاناة دفعته في نهاية المطاف لـ”دخول مطبخ” البنيويين العرب ـ كما يقول التفكيكيون ـ وجعلته يُعدُّ من النخب القليلة الذين خرجوا بعد ذلك يرفعون صوتهم عاليا في الناس، فاضحا تكتيكاتهم واستراتيجيتهم، وطبعا القوم لا يمكن أن يغفروا له هذا المسعى، من أجل ذلك مارسوا عليه كل أنواع الحصار والمنع والإبعاد من نادي النخبة الحداثية، إلى أن توفي في صمت ـ رحمه الله ـ سنة 2006.

2.

وأنا في الجامعة، كنت أقف مشدوها، أو كالمشدوه، أمام متون نقدية حداثية مشهورة مثل “جدلية الخفاء والتجلي” لكمال أبي ديب، وعاجزا تمام العجز عن فهم نصوص إبداعية لشعراء مثل أدونيس، وكنت دائما أستحضر المقولة القديمة بنوع من اتهام الذات: “لم لا أفهم كلّ ما يقال” !

ولم أع حيثيات اللعبة المخاتلة ومتاهاتها إلا بعد قراءة الجزء الأول من هذه الثلاثية سنة 1998، لأكتشف أني لست الوحيد الذي “غرِّر به”، بل أجيالا من الطلبة والمثقفين والمختصين العرب، والقليل من اكتشف متأخرا استغفاله استنكف عن العودة، لأن الأمر يحتاج منه نقدا ذاتيا ومراجعات، تفقده ـ حتما ـ الحُضوَة والحضور وسط زمرة المثقفين… كانوا قد أحرقوا كل سفن العودة.

3.

يعترف حمودة ـ فيما يشبه التهكّم ـ بأنه ارتكب معصيتين أساسيتين لا يمكن للحداثيين العرب أن يغفروهما له: الأولى؛ تبسيطه “للمعلومات”، والثانية؛ كشفه عن حقيقة المرآة التي يقفون أمامها.

لقد كشف في الأولى عن لعبة المراوغة المقصودة والغموض المتعمد الذي يمارسه المبدع الحداثي العربي وناقده ـ على حد سواء ـ بهدف “إغلاق” نادي الحداثة، وجعله خاصا بنخبة النخبة. ووسيلته في هذه الاستراتيجية هي “اللغة المخادعة” التي أصبحت لازمة من لوازم الإبداع الحداثي ونقده.

وفي الثانية فضح فيها حقيقة الواقف أمام المرآة، والتي ـ لتحدُّبها ـ تضخمه وتبالغ في حجمه، والكارثة أنه ما يلبث يصدّق تلك الصورة مع توالي الأيام.

وهنا يطرح سؤالا إقراريا مفاده: هل يستطيع النقاد الحداثيون العرب أن ينكروا أن جلّ مقولاتهم النقدية إنما هي “تقليد” لأغلب ما أنتجه الآباء المؤسسون في الغرب، وإسقاط لمناهج ومفاهيم تنتمي لسياق ثقافي مختلف على واقع ثقافي آخر له قضاياه وهمومه وإشكالياته وحاجاته وخصوصياته؟

عبثا حاول بعضهم تبرير ذلك بكلام متهافت، لأن وقائع التاريخ تكذب دعواهم؛ ففي بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وفي الوقت الذي بدأ فيه النقاد العرب يستوحون “المناهج البنيوية” ويطبقونها أثناء مناقشتهم للنصوص الإبداعية، كانت البنيوية قد دُفنت تماما في بلاد المنشأ، وتحولت إلى “سوْءة” وسُبَّة في حق المثقف، فانتقل كل روّادها إلى استراتيجيات بديلة؛ بل إن بناء ما بات يعرف بـ”التفكيك” الذي انطلق مع “دريدا” سنة 1966 كان نفسه قد بدأ يترنح جراء الضربات القاسية والمتتالية التي وُجِّهتْ له من قبل النقد الثقافي مثلا.

وهذا ما يثبت أن كل الاتجاهات الحداثية التي بشّر بها بعض المثقفين العرب لم تكن نتيجة سياق ثقافي عربي أنتجت معه قضاياها ومنهجها ومصطلحها النقدي،بل تم استنباتها في غير تربتها.

4.

وكما توقع حمودة فقد سارع الكثير لاتهامه وثلاثيته بالرجعية ومعاداة الحداثة، لكنه أصرّ ـ ومنذ البداية ـ على توضيح أن دراسته ليست ضد الحداثة، لأنه ـ وبكل بساطة ـ يرى في هذه الأخيرة “ضرورة من ضرورات البقاء”، لكنه يطرح سؤالا ملحا مفاده: “أي حداثة نعني؟ هل هي حداثة الشك الشامل وغياب المركز المرجعي واللعب الحر للعلامة ولا نهاية الدلالة، ولا شيء ثابت ولا شيء مقدس! والإجابة التي تخلص إليها الدراسة واضحة: نحن فعلا بحاجة إلى حداثة حقيقية تهز الجمود وتدمر التخلف وتحقق الاستنارة، لكنها يجب أن تكون حداثتنا نحن، وليست نسخة شائهة من الحداثة الغربية”.

عندما صدر الجزء الأول من الثلاثية كان أول من انبرى للرد على حمّودة المفكر والناقد المصري جابر عصفور، الذي يُقدَّم باعتباره “رائد الاستنارة العربية”؛ حيث حاول التشكيك في قيمة العمل وعمقه، وذلك بتتبع سقطات حمودة المنهجية، وتصيد أخطاءه في عدم تدقيقه بعض المعلومات، وقدَّم مجموعة من الملاحظات التعليمية دون أن يتعرض للسياق النظري للكتاب.

أما يمنى العيد فقد ادعت بأن حمودة شوّه مراجعه النقدية متخليا عن أخلاقية الناقد، ووصفت “المرايا المحدبة” بـ”مرايا الأخطاء والمغالطات والافتراءات”.

ثم جذبت المعركة إلى ميدانها بعد ذلك مجموعة من المثقفين العرب الكبار أمثال: فؤاد زكريا، ومحمود أمين العالم، وسعيد علوش، وغيرهم .

وبكثير من الحزن يعترف حمودة بكون النقاش والجدال الذي أثارته دراسته جعلته يقف عند حقيقة مؤلمة تعيشها الثقافة العربية المعاصرة؛ وهي أننا وصلنا إلى أحادية في الرأي انفردت بالساحة النقدية لسنوات، أوصلت أصحابها في نهاية المطاف إلى مرحلة شعارها العريض: رفض الاختلاف

وفي الحقيقة ليس حمودة الوحيد الذي اشتكى من ردّ الفعل العنيف والسيئ للمبدعين والنقاد الحداثيين، بل كل الذين اقتربوا من “مطبخ الحداثيين” وأفشوا أسراره قد واجهوا نفس المصير. وانظر ـ مثلا ـ إلى أحمد المعداوي (المجاطي) حين يختم كتابه “أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث” بالإشارة إلى الأذى الكبير الذي ناله؛ حيث رُمي بالتّهمة الجاهزة دائما؛ أي “السقوط في السلفية”.

5.

ينطلق صاحب الثلاثية النقدية أثناء تشريحه لنصوص الحداثيين من مسلمتين اثنتين: الأولى تؤكد على وجود ما يسمى بـ “التحيز” في كل الخطابات النقدية الغربية ومناهجها، بل في كل المعارف والنظريات والمشاريع والمدارس الناتجة عنها؛ ومن ثم فهي غير محايدة بالمرّة. والثانية: تلح على أن هذه النظريات النقدية متأثرة ـ حتما ـ باتجاهات الفكر الغربي ورؤاه الفلسفية الخاصة بواقعهم، أي أنها تنطلق ومن من رؤية فكرية كلية للمعرفة، ومن ثم فإنها جزء من الثقافة الغربية.

ونحن نعلم أن هناك شبه إجماع على أن المرجعية التاريخية للحضارة الغربية المعاصرة تتحدّد في ثلاثة مكونات أساسية، هي: الفلسفة اليونانية، والقانونية الرومانية، والتراث اليهودي، والمسيحية.

وهذا ما دعاه إلى مهاجمة الناقد الحداثي العربي الذي يفتقر لـ” فلسفة خاصة به عن الحياة والوجود والذات والمعرفة، فهو يستعير المفاهيم النهائية لدى الآخرين ويقتبس من المدارس الفكرية الغربية، ويحاول في جهد توفيقي بالدرجة الأولى، تقديم نسخة عربية خاصة به، إنَّها كلها عمليات اقتباس ونقل وترقيع وتوفيق لا ترتبط بواقع ثقافي أصيل، ومن هنا تجيء الصورة النهائية مليئة بالثقوب والتناقضات ” (المرايا المحدبة: ص 62 ـ 63)

ما الذي حدث حتى وصلنا إلى هذا المستوى من الشرخ؟

يشير الناقد إلى أنه وبعد هزيمة 1967، وفي خضم محاولتهم البحث عن الأسباب، قام الحداثيون العرب ـ عن وعي ـ بخديعة كبرى؛ وذلك عندما خلطوا بين “الحداثة” و”التحديث”، مستغلين الرغبة الشعبية العارمة في تحديث شامل. لقد دفعوا بكل قوة في سبيل تبني كل مقولات الحداثة بغض النظر عن تناقضاتها الجوهرية مع الثقافة العربية.

وهنا أخطأوا خطأهم الفادح؛ أي عندما حوّلوا شاغل التحديث إلى صفقة حضارية وثقافية شاملة، مع إدارة الظهر كاملا لتراثنا في احتقار لأغلب منجزاته، وهو ما منحوه اسما براقا ومخادعا يدعى: القطيعة المعرفية مع الماضي.

6.

ينبه الباحث إلى كون الحداثيين عامة، بنيويين وتفكيكيين وغيرهم، دشّنوا عملهم في البداية محكومين بإرادة تحقيق “المعنى”، لكنهم انتهوا جميعا إلى نفس النهاية المأساوية رغم اختلاف الوسائل والطرق؛ فالبنيويون فشلوا في بلوغ المعنى، بينما نجح التفكيكيون ـ عن جدارة ـ في تحقيق اللامعنى. لقد رفضوا كل شيء دون أن يقدموا أي بديل مقنع.

بل إن النقد معهم تحول إلى لغة لا تقل إبداعا عن النص الذي يتعامل معه، والهدف من ذلك هو محاولة لفت الأنظار إلى نفسه. فلم يعد الناقد ـ كما قيل في البداية ـ مجرد مشروع شاعر فاشل تحول إلى النقد وأخذ يصب حقده على إبداع غيره، بل أصبح منتجا لنصوص ينبغي أن تدرس هي الآخرى، وهذا ما أنتج ما يسمى بـ”نقد النقد”.

من أجل ذلك يدعو حمودة إلى إعادة الاعتبار لسلطة النص التي تقوم على قدرة النص الأدبي على تحقيق معنى ما، يتمتع بقدر من الإلزام، ويقبل التثبيت، ولو بصورة مؤقتة في مواجهة فوضى القراءات التفسيرية للنص الأدبي الذي انتهت مع نظرية التلقي والتفكيك إلى إلغاء هذه السلطة، بل إلى ما هو أخطر من ذلك، أي تشكيك أتباع التفكيك في وجود النص في حدّ ذاته.

7.

ما البديل الذي يطرحه حمودة؟

المطلع على كتابات حمودة ـ وخاصة ثلاثيته ـ يخرج بنتيجة فاقعة الوضوح تقول: إنّ الغاية الأساسية، التي يقصدها ويريد تحقيقها، هي تقديم نظرية نقدية عربية.

يعتقد حمودة بأن النقل الحرفي عن الحداثة الغربية يفتح الباب واسعا أما التبعية الثقافية، ثم يكرسها، خاصة وأن المصطلح النقدي الغربي هو ـ أساسا ـ مصطلح فلسفي. ويشير إلى أننا أثناء انبهارنا بإنجازات العقل الغربي أدرنا ظهورنا كليا أو جزئيا لتراثنا البلاغي، وبذلك نكون قد وضعناه أمام مرايا مقعرة ـ هذه المرة ـ والتي صغّرت من حجمه وقللت من إنجازاته.

من أجل ذلك يدعو إلى العودة إلى التراث البلاغي العربي الغني بهدف البحث عن ما يسميه “ضفيرة نظرية في اللغة والأدب”. وأثناء تقصّيه اكتشف أن العقل العربي قدّم بالفعل ما يكفي لتسميته نظرية لغوية ونظرية أدبية، أو على الأقل بدايات قوية لهما.

لقد حاول حمودة، بشكل مثير للإعجاب، ردّ الاعتبار للبلاغة العربية، وذلك بوضعها أمام مرايا عادية تعكس الحجم الحقيقي لإنجازات العقل العربي دون مبالغة أو تحقير، جاعلا من البلاغي الكبير عبد القاهر الجرجاني نقطة ارتكازه في مسعاه هذا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *