د.عبد العزيز حمودة وإجهاض الدور التخريبي للحداثة

علي عليوه
شهدت حقبة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تصاعد المد الحداثي، وهو التيار الأدبي الذي يدعو إلى القطيعة التامة مع العقيدة واللغة والتاريخ، وهي العناصر التي تشكل هُوُيَّة الأمة الإسلامية، إلى جانب اعتبار الغرب هو مركزَ الكون، ومن ثَمَّ لابد من الاندماج فيه، وتبني منظومته الثقافية.
تبني هذا التيارَ عددٌ من العلمانيين العرب الذين أطلقوا على أنفسهم لقب ” الحداثيين “، وساعد انتشارهم في العديد من وسائل الإعلام والصحف والمجلات، ودعم بعض المسئولين في البلاد العربية لهم بهدف تحجيم دور الإسلاميين، على فَرْضِ هيمنتهم التامة على مجمل الساحة الأدبية والثقافية في منطقتنا العربية .
هذه الهيمنة جعلتهم يشعرون بقدر كبير من التعالي حيالَ باقي المثقفين والأدباء، وشجعتهم على ممارسة هوايتهم في التهجم على ثوابت الأمة، والسخرية من رموزها، والتمرد على الأنماط الأدبية التي تُشَكِّل ذاكرة الأمة؛ من شعرٍ ونثرٍ وقصةٍ .
وقد تعرضت سطوة هؤلاء الحداثيين لِهِزَّةٍ عنيفة أسقطتهم من أبراجهم العاجية، وكبريائهم الزائف، مع ظهور الدكتور عبد العزيز حمودة، أستاذ الأدب الإنجليزي، الذي نال شهاداته العلمية من الجامعات الغربية، وعمل فترةً من الزمن مُلْحَقًا ثقافيا بالسفارة المصرية بالولايات المتحدة الأمريكية.
لقد وجه حمودة الذي نَهَل من الثقافة الغربية من خلال كتبه الثلاثة ( المرايا المقعرة ) و ( المرايا المحدبة ) و ( والخروج من التيه ) ضربة قاصمة للفكر والتيار الحداثي؛ لأنها كشفت- وبالوثائق الدامغة- حقيقة الحداثة، وارتباطها بالمخابرات الأمريكية التي قدمت التمويل والدعم للمؤتمرات والمجلات والصحف التي استُخْدِمت للترويج للحداثة، لضرب الإسلام، وسلخ المسلمين عن هويتهم .
ولتسليط الأضواء على الدور المحوري للدكتور حمودة في إلحاق الهزيمة بالمشروع الحداثي الذي أفسد الحياة الثقافية حُقْبَةً طويلة من الزمن، كان عنوان وموضوع مؤتمر رابطة الأدب الإسلامي العالمية الذي عُقِدَ بالقاهرة، وهو (المشروع النقدي للدكتور عبد العزيز حمودة)، والذي شارك فيه نُخْبَةٌ من الأدباء والشعراء والنُّقَّاد العرب والمسلمين .
الدكتور عبد القدوس أبو صالح رئيس الربطة، ورئيس تحرير مجلة “الأدب الإسلامي” أوضح أن الدكتور حمودة صارع الحداثيين على أرضهم وداخل ساحتهم التي تخندقوا داخلها، وهي الفكر الغربي، فهو ابنُ الثقافة الغربية الذي نَهَل من علومها بِحُكْمِ التخصص العلمي كأستاذ جامعي في الأدب الإنجليزي، إلى جانب العمل الدبلوماسي، وبالتالي لم يستطيعوا وصْفَهُ بالجهل، وهي الصفة التي طالما وصف بها الحَدَاثِيُّون خصومهم .
ولفت الدكتور وليد قصاب، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، إلى أن الفضل في إسقاط المشروع النقدي البنيوي وخَلْفِيَّته الإلحادية- الذي هو أحد إفرازات الحداثة- يرجع إلى ما كتبه حمودة، خاصة في كتابه (المرايا المحدبة)، مستشهدًا بمقولة حمودة: (إن البنيويين يقدمون خمرا قديمة في قوارِيرَ جديدة ).
ومن جانبه كشف الدكتور محمد صالح الشنطي، أستاذ النقد والأدب الحديث بجامعة جدارا للدراسات العليا بالأردن، عن جانب آخر من إنجازات الدكتور حمودة، وهو نقده للمذهب النقدي الذي تَمَخَّضَ عن الحداثة، والذي أَطْلَقَ عليه الحداثِيُّون مصطلح ” مابعد الحداثة “، الذي يُلْغِي تماما فكرة وجود ثوابت دينية أو قيمية أو أخلاقية؛ لأن كل شيء عند هؤلاء نسبي ومتغير، ويرون أن مفاهيم مثل الذات الحضارية، والهوية، والسببية، أمور لا مكان لها في عالم مابعد الحداثة .
وتطرق الدكتور أحمد زلط، وكيل كلية الآداب للدراسات العليا في مصر، إلى الحديث عن المشهد النقدي للدكتور عبد العزيز حمودة، كاشفًا عن إنجاز آخر له يتمثل في الاعتزاز بالتراث الأدبي العربي، ومطالبته بأن يكون هذا التراث منطلقًا للأدباء العرب في وضع نظرية نقدية عربية توائم بين القديم الموروث، والجديد النافع، حتى ولو كان من الغرب، باعتبار ذلك أهمَّ آليةٍ يمكن بها مواجهة الغزو الحضاري الغربي، واستعادة المكانة العلمية المفقودة للعالم الإسلامي .
وسلط الدكتور بن عيسي بويوزان، الأستاذ بالجامعة المغربية، الضوء على الموقف الفكري للدكتور حمودة، القائم على رَفْضِ ما أسماه (ثقافة الشرخ)، ودعوته للمثقف العربي بعدم الوقوع في أزمة ثنائية العقل العربي والعقل الغربي، وأن على هذا المثقف استلهام تراثه العربي دون أن ينغلق على منجزات الآخر.
وأشار الدكتور صلاح الدين عبد التواب، الأستاذ بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر بالقاهرة، إلى أن ثلاثية الدكتور عبد العزيز حمودة ، ( المرايا المحدبة، والمرايا المقعرة، والخروج من التيه) جاءت لِتُؤَكِّد أن جيل المثقفين العرب والمسلمين في العصر الحديث، قد غُرّر بالكثير منهم، وأن هناك جهودًا ومحاولات مستميتة بُذِلَتْ من قِبَلِ الحاقدين على العروبة والإسلام، ومِمَّنِ اصطنعوهم وزرعوهم في أرضنا من أبناء جلدتنا لتنفيذ مخططاتهم، وقطع صلتنا بالتراث .
ولفت محمود حسن مخلوف، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية من مصر، الانتباه إلى أن الدكتور حمودة بمشروعه الفكري التنويري يُعْتَبَرُ إضافة لاسم جديد للتنويريين المعتزين بتراثهم العربي، والذين لم يبهرهم- كما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي- (الوثن الغربي المزين)، من أمثال مصطفي الرافعي، والدكتور محمد عبد الله دراز، والعلامة محمود محمد شاكر، والدكتور محمد أبو موسي.
وبرر الدكتور حسن بن فهد الهويمل، عضو الرابطة من السعودية، الحملة العنيفة من الهجوم والتطاول من جانب الحداثيين العرب، التي تعرض لها الدكتور حمودة، بأن ذلك رد فعل لما نالهم منه من فضح وكشف لعمالتهم للغرب، وفساد حداثتهم، وصلة تلك الحداثة بالدعم الغربي المشبوه، وبعد أن ظل أربع سنوات يُنَقِّب في عوالم المعرفة بلغة القوم، ومن خلال جدل علمائها ، وهي مدة كافية للتأصيل، والتأسيس والتحرير للمسائل والمعارف ، وأنه حين اختار المواجهة أتى بنيان الحداثيين من القواعد .
وتقديرا للدور الكبير الذي قام به الدكتور عبد العزيز حمودة في تطهير الساحة الأدبية من رجس الحداثة وما بعد الحداثة التي أراد منشئوها ضرب الهوية الإسلامية، ركزت الجلسة الختامية للمؤتمر على دعوة الأدباء العرب والمسلمين إلى استكمال المشروع النقدي للدكتور حمودة؛ للتوصل إلى نظرية في النقد الأدبي تستقي من التراث العربي والإسلامي، وإنشاء ” وقف للأدب الإسلامي” لتوفير التمويل اللازم لقيام رابطة الأدب الإسلامي العالمية برسالتها التي تَصُبُّ في خدمة الدعوة الإسلامية .

تعليقات الفيسبوك
الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة “المراجعة بعد النشر” فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
– الهجوم على أشخاص أو هيئات.
– يحتوي كلمة لا تليق.
– الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *