تشـريح المرايا في نقد مشـروع عبد العزيز حمودة

محمد صغير، يرى أن مشروع عبد العزيز حمودة جاء لكونه يفتح بابا واسعا على الخطاب النقدي العربي والغــربي، متابعة ونقدا وتصويبا. ومن جهة أخرى يرى أن خطابه يحمل موروثا نقديا وفلسفيا يصعب فهمه. كما اعتبر قراءة حمودة للنقاد العرب الحداثيين قاسية وانطباعية في كثير من الحالات.
• حاورته/ نوّارة لحــرش
كِتابك الصادر مؤخرا “تشـريح المرايا في نقد مشـروع عبد العزيز حمودة”، لماذا جاء تركيـزك على مشروع “عبد العزيز حمودة” وليس غيره؟

نبيل محمد صغير: يأتي التركيز على مشروع عبد العزيز حمودة في نقد النقد من أجل فهم حيثيات الخطاب النقدي العربي المعاصر، فكتابات المرحوم قامت بزحزحة وخلخلة العديد من اليقينيات والمسلمات التي ترسّخت في الفكر النقدي المعاصر، إضافة إلى أن هذا الرجل قــد تجاوز، ولو بـرؤية فيها بعض العاطفية والاندفاعية، المشاريع الحداثية العربية، وحاول تفكيك أسسها وإوالياتها القائمة عليها. وقد تطرق، مثلا، إلى مشروع بنيـوية كمال أبي ديب التي رأى فيها مجرد لغة واصفة (ميتانقدية) استلبت النص النقدي وأضاعته، لتُموضع نفسها في قالب جمالي وأدبي، يسوده التغـريب والغموض، بحيث يحتاج هو نفسه إلى تفكيك وتشريح لفهم جمالياته الأسلوبية.
كـما عالج حمودة مشروع “هدى وصفي” النقدي، وسجّل موقفـه منه، ووصف اعتمادها على الأشكال الهندسية والحسابات الرياضية الجبرية بأنها لا تضيف شيئا ذا بال إلى النص أو الخطاب الأدبي المدروس، وقد دعـا حمودة إلى أن يكون خطاب النقد مساعدا للقارئ أو المتلقي على فهم الأعمال الفنية والأدبـية، عبـر الابتعـاد عن كل أشـكال الغموض الدلالي والأسلوبي، وضرورة التقيّد بالقراءة التبسيطية الشارحة، وهذا الموقف، في الحقيقـة، يندرج في إطار معارضته للمشروع البنيوي الغـربي، وعلى وجه الخصوص مشـروع رولان بارت. لهذا يمكن أن نـقول بأن التركيـز على مشروع عبد العزيز حمودة جاء لكونه يفتح بابا واسعا على الخطاب النقدي العربي والغــربي، متابعة ونقدا وتصويبا.
كتابات حمودة أحدثت ضجة في مصر العام 1998. فهل الضجة التي قوبلت بها كتاباته كانت محفزا لك على تشريح كتاباته والخوض فيها نقديا، ووضعها تحت مجهر بحثك واشتغــالك؟
نبيل محمد صغير: لا يمكن إنكار مسألة سياقية مهمة في كتابات عبد العزيز حمودة، وهي أنّ الانتشار أو المـــقروئية الكبيرة التي حققتها كتاباته النقــدية، كانت في نسبة معينة منها، نتيجة السجالات الكبرى التي ارتفعت وتيرتها على صفحات جريدة “أخبار الأدب” مع الناقد جابر عصفور، وقد أُطلق عـلى تلك السجالات النقدية -على الرغم من أنها خرجت إلى إطار الأيديولوجية والاندفاعية فـــي الرد- مصطلح “معركة نهاية القرن”، واستمر جابر عصفور يكتب ملاحظاته، حتى بعد وفاة عبد العزيز حمودة رحمه الله، في مقالات نشرها في مجلة “العربي” سنة 2012. كما أنّ الناقدة يمنى العيد قـــد ردّت عليه عدة مرات، لعل أهمها جاء في مـقال عنيف وشديد اللهجـــة بعنوان: “عبد العــزيز حمودة شــوّه مـراجعه النقدية متخلـيا عن أخلاقية النـاقد: المرايا المحــدبة أو مرايا الأخطاء والمغالطات والافتراءات” مجلة الحياة سنة 1998. ولهذا يمكن اعتبار هــذه السجالات، وغيرها، بمثابة الفرضـيات التي انطلق منها الكتاب، لتشريح نصوص نقد النقد التطبيقية والتنظيـــرية، ومعاينة بنية أنساقها الداخلية مع أطروحتها الكلية التي رفعــت شعــار سردية من السرديات الكبرى في الفكر العــربي المعاصر، وهي عدم التحيّز إلى النقد الغربي، فهل استطاع حمودة الالتزام بهذه السردية أم أنّـه فكّكها، حينما وقع فيها مرحلة إنتاج البديل.

خطاب نقد النقد هو الذي يحفر ويغـوص في نصوص متنوعة المرجعيات  والخلفيات ويربكـها

من خلال رؤية نقدية باحثة قمت بعملية تشريحية لخطاب مفاهيمي شبه شائك ومعقد وموغل في أسئلة مربكة، ما الذي يمكن أن تقوله عن حيثيات هذا التشريح؟
نبيل محمد صغير: تعـد الخطابـات النقدية المفاهيمية التي تستند إلى أطــروحـات فلسفية متنوعة من أهـم الخطابات وأعـقدها، وخطاب حمودة يحمل موروثا نقديا وفلسفيا يصعب فهمه، إلا عبر القراءة الحفـرية الفوكـوية، فالذي يبحث عن كتابات حمودة في الستينيات سيدرك تأثره بالنقد الجديد الأنجلوسكسوني، بكل حمولته المفاهيمية ورؤياته الإجرائية والتطبيقية، ويظهر ذلك في كتابه “عـــلم الجمال والنقــد الحديث”، ولكن الحافـر في خطاب حمودة، في ثلاثيته سيجده يفكّك مقولات النقد العربي البنيوي والتفكيك الغربي، مع إبعاد غير مبرر للنقد الجديد عن نقده الموجه للفكر الفلسفي والنقدي الغربي، لهذا سيحاول في مرحلة ثانية ربط نقده للبنيوية والتفكيك بكونهما، حسب تعبيره، أعدمتا النص وأخصيتاه مع المؤلف، فيما بقي النقد الجديد محتفظا بمفهومي الذات والتاريخ في قراءة النص والعالم. وهذا أيضا يبرر عدم نقده لتيار بعد مابعد الحداثة الذي أعاد الاعتبار للسياق الثقافي والاجتماعي في الخطاب الأدبي والإنساني، ولم يسع إلى تشيــيء النص والإنسان والعالم، مثلما فعلت البنيوية التي قتلت العالم في أنساق، وفعل التفكيك الذي عـــرّف الإنسان بعدمية العالم.
ما الذي استوقفك أكثـر أثناء تشريحك لمنهجه في كتاباته النقدية وإشكالاتها؟
نبيل محمد صغير: هناك عدة مسائل ونقاط مختلفة تستوقف قارئ مشروع عبد العزيز حمودة، من بينها ما ذكرناه عن موقفه السلس من النقد الجديد، وتبريره لمفاهيمه النقدية المحـايثة، عبر إبعاده عن دائرة النقد الشكلاني. مسألة أخرى تستوقف مشــرح خطاب حمودة، وهي تتعلق بآليات قراءته للخطاب النقدي العربي، فمن يقرأ قراءة حمودة لخطابات “كمال أبي ديب” أو “يمنى العيد” أو “جابر عصفور” سيلاحظ أنه في بعـض المقامات يجتزئها من سياقاتها النصية والثقافية، لكي يؤكد حكما أو رأيا شخصيا له. لهذا جاءت قـــراءته للنقاد العرب الحداثيين قاسية وانطباعية في كثير من الحالات، وهذا ما أسميناه بالقراءة الاعتراضية، التي كانت غاية ووسيلة في الـوقت نفسه.
أيضا ما الذي دفعك إلى الخوض في “نقـد النقــد” واشتغالك عليه وعلى تفكيك حمولته المعــرفية ومناهجه؟
نبيل محمد صغير: هناك عدة عوامل دفعتني إلى الخوض في خطاب مرايا حمـــودة، لعل أهمها هو ربطه لنقد النقد بالبديل النقدي في البـلاغة واللغة، كما أن قلة الدراسات في نقد النقد التي لا تميل إلى طرف دون الآخر، دفعتنا إلى محاولة فهـم خصوصياته وتصوراته النظرية التي يجب أن يمارس عبـــرها في مقاربة الخطاب النقدي والفكــري، من أجل الكشف عن خصوصيات هذا الأخير. ولهذا كانت رغبتنا كبيرة في الإسهام في هذا الحقل الذي يعد ركيزة في النقد الأدبي، سواءً ما تعلـق بنقد السرد أو الشعر، بل حتى الفكر والفلسفة باعتبار أن الكلام على الكلام، كما يرى أبو حيان التوحيدي، من أصعب المجالات وأهمهـا وأعقدها من أجل تطوير ممارسة سليمة في ّأي مجال معرفي أو حياتي.
في منهجه الفكري والنقدي، تبنى ثنائيات متضادة، انبثقت عنها بعض المفاهيم النقدية الثنائية، منها: “الاختلاف والاتفاق”، “الثابت والمتغير”، “الاجتهاد والتقليد”، “الحداثة والتراث”، وغيرها من المفاهيم التي اشتغل عليها فكر ونقد حمودة. كيف قاربت وتناولت هذه المفاهيم وهذه الثنائيات في مشروعك التشريحي، وهل يمكن القول، أن المشروع قام بعملية تشريحية مزدوجة؟
نبيل محمد صغير: تفرض القــراءة التشريحية على ممارسِها أن يغـوص في المفاهيم الثنائية التي ينتظم عــبرها العالم والإنسان والنص، لا أن يتّـخذ موقفا يميل إلى أحد طـرفي الثنائية، وهذا ما حاولت القيام به أثناء حفري في الثنائيات التي تطــرّق إليها حمودة. فمثلا ثنائية “الاختلاف والاتفاق” هي المؤطر الفلسفي للفكـر البنيوي والتفكيكي، إذ يميل التفكيك إلى اعتبار أنّ العالم مبني على اختلافات وإرجاءات لا يمكن أن نوهم أنفسنا بأنّـها بنيوية، إلا على مستوى وهمي يحدث لدى الذات المتلقية، فيما تُـــدافع أطروحة التوافــق على الفكر البنيوي الذي يرى الأنساق الإنسانية مبنيـة على انتظام وتفاهم لا مثيل له.
فالتشريح هو أن تقف في وسط الثنائية لتبين تهافتها، ولتكشف كيف يكون الاختلاف توافقا وفي التوافـق اختلاف، وفي الحداثة تراث عميق وفي التراث حداثة مفارقة. هذه المسألة تستدعي كما أسمتها الناقدة والدكتورة “آمنة بلعــلى” الانتقال من الوصف إلى المقارنة، ومن الأحكام  إلى التنظير، ومن التحليل إلى  التأويل، وكل ذلك في حركة بين مدّ وجزر وفي تفاعل كان فيها “عبد العزيز حمودة” قارئا ومقروءا.
ماذا عن موقفه من الواقع الغربي ورؤيته للدين والإسلام، وكيف تجلى هذا في خطابه النقدي من خلال ثلاثيته “المرايا المقعرة، المرايا المحدبة والخروج من التيه”؟
نبيل محمد صغير: إنّ المحرك الظاهـر والضمني الذي تأسس عليه “خطاب نقد النقــد” عند عبد العزيز حمودة والبديل النقدي لديه قومي ديني، فمـرد النزعة القومية، حسب حمودة، إلى النكســـة العربــية التي دفعت العرب إلى أحضان الفـــكر والمعيشة الغربية. لكن نظرة عبد العزيز حمودة إلى المثقف والمفكر والإنسان العربي، عقب نكسة 1967، أحادية الجانب، فهو دائما يتصوره راغبا في التحديث، الذي يرمي إلى أحضان الغرب، وهذه النظرة في الحقيقة قاصرة، فعقب تلك الهـــزيمة العسكرية لا الفكرية، ظهرت عدة مشاريع شكّلت هويتَها من التراث العربي نقده وأدبه وفلسفتـه. أما الجانب الديني لدى حمودة فقد تم توظيفه حين عالج مفاهيم البنية والتفكيك والذات، فرأى أن البنية تلغي الذات في أنساقها والتفكيك يضع الإنسان في موقع عدمي، وهذا فيه الكثير من المبالغة، ويمكن رده لتأثــر حمودة بنزعة نقد التحيز المعرفي لدى طه جابر العلواني وعبد الوهاب المسيــــري، هذا الأخير الذي ذهب أبعد من حمودة في ربط التفكيك لدى دريدا وبول دي يمان بالعــقيدة اليهودية، في مسألة ضم هذه الأخيــرة لعدد من العقائد غير المتجانسة  والمتناقضــــة، وكذلك ربط المعنى الظاهر بالـباطن في تفسير التوراة. ولكن هذه النظرة كذلك فيها نوع من الأحادية لأنّ التفكيك أعقــد من أن يكون قد استقى منابعه من العقيدة اليهودية أو أيّـة عقيدة أخرى. كما أنّ هذا الذي يـراه حمودة تحيّــزا إلى الفكر والفلسفة والحياة الغربية قد وقع فيـه حمودة من حيث لا يدري حينما حاول تقديم البديل مستندا على ثنائيات قدمها اللساني السويسري دي سوسيــــر، فأراد إخراج الفكر النقدي العربي الذي أسس لنظرية شعرية عربية إلى مجالات أخرى غير عربية، فربط، على سبيل المثـــال، السرقات الشعرية بنظرية التناص، والفرق المعرفي والسياق الثقافي بعيدان أيّــما بعد بينهما.
اختلف مفهوم “نقد النّقد” من ناقد إلى آخر، ومن خطاب نقدي إلى آخر، فماذا يمكن أن تقول عنه وكيف وجدت مقارباته وسياقاته مع مفهوم الناقد عبد العزيز حمودة؟
نبيل محمد صغير: خطاب نقد النقد هو الذي يحفر ويغـوص في نصوص متنوعة المرجعيات والخلفيات ويربكـها، وحمودة استطاع أن يــؤسس لحركية كبيـرة في النصوص النقدية المدروسة، لكنّه وقع في عدة مطبّــات زعزعـــت خطابه النقدي، من بينها القراءة الاعتراضية للطرح النقدي العربي المعاصر، ففي قــراءته ليمنى العيد، مرة أخرى، حاول أن يثبت أنها خرجت عن الإطار البنيوي المحايث، حينما كانت تراوح في تحليلاتها بين الداخل والخارج، ولكن المتعمق في نصوصها يجدها تؤكد اعتمادها على البنيـوية التكوينية التي أطّـر مبادئها الناقد لوسيان غولدمان، في حين حــاول أن يجعل حمودة خطاب كمال أبي ديب غامضا غير مفهوم، لكنه وقع كذلك في مطب التعميم. كما أن خطاب نقد النقد يفترض تقديم البديل، وبديل حمودة جاء مرتكزا على الثنائيات التي قدمها سوســـــير، كما نقد التفكيك الغربي على لسان جون إليس من خلال كتابه ضد التفكيك، في معظم سياقات نقده للتفكيك كإستراتيجية وفكر، وهذا ما يمكنه اعتباره تحيزا معرفيا نسبيا إلى الغرب، لكن فهم حمودة لكيفية تأسيس العلاقة بين النظرية العربية وتطبيقاتها جاء متباينا ومختلفا عن الطرح أو مفهوم النظرية الغـربي، فقد اكتشف أن النظرية العربية تتم عبر التطبيق والتنظير في الوقت ذاته، عكس النظرية الغـربية التي تعتمد على التنظير ثم تتحول إلى مرحلة التطبيق.
تناولت أيضا في الكتاب خطاب “نـقد النقد بين السياقين الغربي والعربي”. ما أوجه الاختلاف والتباين بين السياقين؟، خاصة وأن النقد العربي في معظمه، يغرف وينهل سياقاته ومصطلحاته ومفاهيمه وخطاباته، من الخطاب/السياق/المفهوم/المصطلح/ النقدي الغربي؟
نبيل محمد صغير: إن الحديث عن نقد النقد في سياقيه العربي والغربي، لا يختلف كثيرا عن النقد الذي يكون مدونة الأول ومتنه الذي يشتغل عليه، فكل المفاهيم القرائية مستقاة من البيئة الفكرية الغربية، فإذا تأملنا على سبيل المثال طرح تودوروف في نقد النقد نجده ينقسم إلى شقين في الممارسة والمقاربة، فالشق أو المستوى الأول منه تنظيري، فنلفيه، في كتابه نقد النقد رواية تعلم، يستعرض ويناقش أهم رموز الثقافة والنقد في أوروبا القرن العشرين، فمن الشكلانييـــــن الروس إلى بول بنيشو، مرورا بسارتر وباختين ودوبلن وبرشت وبارت وفراي ووات وتودوروف نفسه، ثم ينتقل إلى التطبيق عبر تحليل النصوص التطبيقية، وهذا ما قام به حمودة في تتبعه لمسار النص من منظور النظريات الشكلانية إلى البنيوية إلى ما بعد البنيوية وبعد مابعد الحداثة، أما المستوى الثاني فتمثل في قراءته للنصوص النقدية العربية، وهذا ندرجه في نقد النقد التطبيقي، لكن ما غـــفل حمودة عنه وغفل عنه معظم النقاد العرب هو نقد المشروع الذاتي أو الشخصي، فنادرا ما نجد ناقد يتراجع عن آراء نقدية تبناها سابقا، فحمودة انتقد النقد الغربي ولم يتراجع عن ارتباطه بالنقد الجديد عدة سنوات.

انتشار كتابات عبد العزيز حمودة نتيجة للسجالات

هل من مشاريع نقدية/ تشريحية أخرى في الأفق؟
نبيل محمد صغير: هناك مشاريع موسعة تضم عدة مشاريع نقدية معاصرة في البنية والتفكيك. لهذا سترتكز بحوثي القادمة على فهم الحيثيات والإواليـــات والامتدادات التي يسيـــر وفقها الفكر النقدي العربي المعاصــر فـــــي خطاباتـــه ومشاريعه المعرفيـــة المتنوعة التي تموضــعت بيــن خطاب فلسفة البنيــــة، وفلسفة التفكيك.
كمــا سيكون عملي مستــندا على ثلاثــة أبعــاد/توجهات أو مشاريــع نقدية عربيــة، لم أـراعي البــعد الجغرافي ولا التاريخي في اختيارها، بقدر مراعاتي الرؤية المعرفية والنقدية الجامعة للتوجهات وللرؤى الفلسفية والمعرفية المذكورة. وبــما أنّ الفكــر النقــدي العــربي موزع على تلك الثنائية: “البنية والتفكيك” وما بينهما وما بعدهما، فــإن القول بأنّ مصدر تلك الثنائية هو غربي المنشأ ليس مطلقا، بل إن تلك الأبعاد المتنوعة للفكــــر النقدي المعاصر تمتد إلى التراث النقدي العربي الذي توزع بين فكر البنية والتفكيك، وما بينهما، وما بعدهما، بمفاهيم مختلفة فعــلى سبيـــل المثال يمكن فهم ابن قتية على أنّـه نسقـي، كما ذهــب في ذلك محمد العمري ويمكــن فهم الجرجاني في السياق نفسه، كما فهمـــه محمد الولي، عكس قراءة مصطفى ناصف التي تنزع إلى التفكيك في فهـــم بلاغة الجرجاني. أمــا فلسفة التفكيك في التراث الأدبي والنقدي العربي، فيمكن العثـــور على تجليات وأصول لها، قد تقترب من طروحات دريدا، وبول ديمـــان، على سبيل المثــال عند ابن عربي والحـــلاج. أما التيـــار الثــالث الوسطي، فــإن وجــوده فــي التـراث العربي يبقى فرضية أسعى إلى التحقق منها في البحث.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *