الخروج من التيه الثقافي يكون عبر سلطة النص وجمالياته د.حموده

الخروج من التيه الثقافي يكون عبر سلطة النص وجمالياته
أعلنت إفلاس الحداثة ولم يسمع الحداثيون العرب

حوار: صلاح حسن رشيد
………………………..

لا أستطيع أن أقف مكتوف اليدين، وثقافتنا تتعرض لقصف جارف ومجرم من الانتهاكات والخروقات والتشوهات التي يقترفها الحداثيون العرب، بدعوى القطيعة المعرفية مع الماضي والتراث العربي الإسلامي، وإلا سأكون مذنباً في حق نفسي، وديني وإسلامي، وعروبتي، ومجتمعي الذي نشأت بين أحضانه، بل سأكون ساعتها خائناً لأمانة العلم والفكر والثقافة، وهادماً للأجيال القادمة.
بهذا التصور الواضح الجازم الذي لا يعرف المجاملة، يعترف الناقد الكبير الدكتور عبد العزيز حمودة -أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة والمفكر المعروف- بأن الحداثة الغربية لفظت أنفاسها الأخيرة منذ قرنين من الزمان في أوروبا والولايات المتحدة، مؤكداً أن خير دليل على ذلك صدور كتاب ((الحرب الباردة الثقافية، قصة تمويل C.i.a للفنون والآداب في العالم)) منذ عامين لكاتبة أمريكية طعمت كتابها بأدلة المخابرات الأمريكية المركزية المفرج عنها، وفيه ذكر لأسماء أساطين الفكر والفلسفة والأدب والشعر في أوروبا الذين كانوا يتلقون أموالاً منتظمة من الأمريكيين نظير مهاجمة الشيوعية، علاوة على تلقي مجلتي ((شعر)) و((حوار)) في بيروت والقاهرة لأموال باهظة منهم. وفي ما يلي نص الحوار:
– ما هو الموقف الفعلي اليوم من الحداثة؟ وكيف تراها بالمنظور النقدي؟
• ليس للحداثة أو ما بعدها أي مستقبل على الإطلاق؛ لأنها حركات هدامة قامت على محاربة الحق والجمال والفن والأدب تحت حجج واهية تستدعي القطيعة المعرفية مع التراث والماضي، وتتطاول على الفكر وتفجر قضايا لا طائل من ورائها. باختصار، الحداثة لفظت أنفاسها على يد بنيها، بعد إفلاسها وعجزها عن إثبات جدارتها في البقاء في عالم اليوم، والدليل كتاب ((الحرب الباردة الثقافية قصة تمويل C.i.a للفنون والآداب في العالم))، منذ عامين لكاتبة أمريكية طعّمته بأدلة المخابرات المركزية الأمريكية التي أفرجت عنها بعد مضي ثلاثين عاماً، وفيها قائمة بأسماء كبار: أدباء وفلاسفة ومفكري أوروبا الذين روّجوا للحداثة ضدّ الشيوعية، وكانوا يتلقون أموالاً ضخمة من الأمريكيين، فكيف نقتدي بهؤلاء المرتشين؟ ولماذا لا يتوقف الحداثيون العرب عن هرائهم هذا، وعن الاقتداء بنماذج فاسدة، ومذاهب معوجة؟
– ولكن كيف نقدّم للحداثيين العرب الصورة المغايرة التي أداروا ظهورهم لها، أعني حضارتنا العربية الإسلامية، ومنها كتابات نقادنا الأدبية واللغوية، ومتى نعيد اكتشافها؟
• لا بد أن نعيد الاكتشاف في تراثنا الرصين، وما فيه من فكر وآراء عظيمة، لم نلتفت إليها من قبل، لكن الغربيين والمستشرقين التفتوا إليها، وأدركوا قيمتها، إلا أنهم أعادوا صياغتها من جديد، بمنظورهم الخاص، وكأنهم ابتكروها من ساعتهم، وللأسف فلقد انطلى ذلك علينا بسبب جهلنا وتخلينا عن ذاتنا وهويتنا وأدبنا العظيم، البداية تعني المصالحة مع التراث وإدراك قيمته وحجمه، والاعتراف بأننا أدباء ونقاد وعلماء لغة وفلاسفة وشعراء لا نقل عن الغرب في أي شيء من ذلك، وأن نوثق بالمنجز الفكري الرائع لأجدادنا الكبار أمثال: عبد القاهر الجرجاني والسكاكي وقدامة بن جعفر وحازم القرطاجني، تلك الكتابات التي سرقها دي سوسير ونسبها إلى نفسه، وظللنا مدة قرن نعيش في أكذوبة كبرى اسمها البنيوية والحداثة والتفكيك والتلقي.
– لكن هيمنة العولمة والإمبريالية عاودت شراستها بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 للقضاء على الهويات والحضارات والأديان؟ فكيف نجابه ذلك من منطلق فكري عقلاني؟
• نعم تسيطر العولمة والإمبريالية على مقاليد السياسة عالمياً بعد احتلال أفغانستان والعراق، وترك الحبل على الغارب لـ(إسرائيل) لكي تفعل في القدس وفلسطين ما يحلو لها من بطش وقمع؛ لذلك آليت على نفسي أن أعرّي الحداثة والعولمة والصهيونية وكل المذاهب الخربة المنحرفة؛ لأنني لا أستطيع أن أقف مكتوف اليدين، بينما يخترق الأعداء ثقافتنا وحضارتنا وهويتنا، مطالبين بتعديلات في صميم ديننا وتقاليدنا وأعرافنا، وإلا كان الموت لنا، وهكذا تتعرض أمتنا لقصف جارف ومجرم من الانتهاكات والخروقات والتشوهات التي يقترفها الحداثيون الغربيون، وتلاميذهم من العرب، وكذلك الغول الشرس في واشنطن وتل أبيب، تحت زعم القطيعة المعرفية مع الماضي والأديان، وهي قطيعة لا أب لها؛ لأنها نبت شيطاني، بلا أساس، والنتيجة أنني شمرت عن ساعدي، وبدأت إعلان الحرب على الآخر الغازي، أما الآخر الذي يسالمنا ونسالمه، فلا حرب بيننا، بل هي المودة والمحبة والتواصل الحضاري، لذلك فأمريكا إلى زوال، مثلما زالت الحداثة واجتثت أنيابها من على الأرض.
– بوصفكم من المتخصصين في الأدب الإنجليزي، ولديكم صلات مع الآخر، ما الطريق الواضح لغزو عقله وفكره وإبهاره بعظمة موروثنا الحضاري ولفت أنظاره إلى ذلك، بعيداً عن الكتابات الموتورة هناك؟
• هذا يتحقق عن طريق ترجمة إبداعنا الأصيل الجميل، وفكرنا القويم، وآراء علمائنا في الفلسفة والمنطق والتربية والاجتماع والطب والصيدلة والفلك والهندسة والرياضيات والشعر قديماً، وإطلاعهم على الإسلام الحقيقي النقي، الذي يخاطب الفطرة السليمة ويدعو للعلم والمدنية والمعرفة والأخلاق النبيلة، كذلك لا بد من إعداد الدعاة الداعين لمخاطر اللحظة الآتية، وكيفية عرض الإسلام والثقافة العربية بطريقة عصرية وبلغة مسموعة جذابة، تخلب لبّ الغربيين.
– صدر مؤخراً كتابكم ((الخروج من التيه.. دراسة في سلطة النص)) الذي دشنتم فيه نظرية نقدية عربية تجمع أدباءنا ونقادنا عليها، ما هي تلك النظرية؟
• لقد أخرجت من قبل كتابين بعد حياة كلها معاناة في قراءة جميع كتب الحداثة الغربية والعربية، واكتشاف عوارها وزيفها، وهما ((المرايا المحدبة)) و((المرايا المقعرة)) لكنني بعد أن عرّيت هؤلاء سألت نفسي: وماذا بعد؟ وخلال رحلة طويلة مع كتابات الأجداد ومطالعة آراء الجاحظ والسكاكي وقدامة بن جعفر وحازم القرطاجني، وجدت أننا لا نعرف أنفسنا، ولا ندرك مقدار ما يتضمنه تراثنا من نظريات رائعة أدبية ولغوية، لم نلتفت إليها، إلا بعد أن طلع بها علينا الحداثيون الغربيون، وهذه سقطة وقعنا فيها لعدة عقود، إلا أنني كنت أتساءل: هل عجز أجدادنا عن بلورة نظرية أدبية عربية نستطيع أن نستلهمها اليوم؟ وبالفعل توصلت إلى أن سلطة النص كامنة فيه، لأنها تتضافر فيها عناصر الجمال والحيوية والبقاء والفن، وأن أية مقولات أخرى تتحدث عن موت المؤلف، والمعادلات الرياضية في القصيدة، من قبيل هراء المجانين، ومن هنا أدركت أننا أمّة صاحبة سبق حضاري وفكري لا نظير له عالمياً.
د. حسين علي محمد
16-09-2006, 12:04 AM

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *