الحلم الأمريكي وحالات الصدمة بقلم‏:‏ د‏.‏ عبدالعزيز حمودة

الكتاب

43142 ‏السنة 129-العدد 2005 يناير 18 ‏8 من ذى الحجة 1425 هـ الثلاثاء

الحلم الأمريكي وحالات الصدمة
بقلم‏:‏ د‏.‏ عبدالعزيز حمودة

استجابة لرغبة مؤقتة للهروب من الغثيان الذي تثيره متابعة ما ينشر في وسائل الإعلام الأمريكية‏,‏ ومايكتبه فرسان اليمين الجديد عن العرب والمسلمين وجدتني أعود إلي الحلم الأمريكي كما يراه المثقفون الأمريكيون من داخله بعد أن وقعت يدي علي نص مسرحي للكاتب الأمريكي سام شبرد بعنوان حالات الصدمة‏(1991).‏ وسام شبرد يمثل حلقة متأخرة في سلسلة طويلة من كتاب المسرح الأمريكي‏,‏ وأبرزهم آرثر ميللر في رائعته المبكرة وفاة بائع متجول حيث قدم الوجه الآخر لأمريكا بعد أن تغيرت صورتها من بلد النجاح السهل إلي بلد التنافس القاتل الذي لايرحم‏.‏

وفعل ذلك أيضا إدوارد ألبي‏,‏ والذي يعتبر كاتب عقد الستينات‏,‏ في عدد من أعماله المشهورة أبرزها الحلم الأمريكي ومن يخاف فرجينيا وولف؟ حيث يقدم صورة أكثر تحديدا وعنفا في نقد الحلم الأمريكي وتأكيد خوائه‏.‏ وقد طور سام شبرد ذلك الاتجاه وعمقة في عدد من اعماله في السبعينات والثمانينات وأبرزها الطفل المدفون التي تعتبر أمثولة رمزية للوجه القبيح لذلك الحلم‏.‏

وقد قدم النص المسرحي الذي نعرض له اليوم في نيويورك في ابريل‏1991,‏ أي بعد انتهاء حرب الخليج الثانية مباشرة‏.‏ ورغم أن حرب الخليج لاترد ولايشار إليها في النص إلا أن هناك اتفاقا بين النقاد علي أن تلك الحرب هي الدافع الحقيقي لتلك المسرحية‏.‏

خاصة أن الجميع كانوا يعرفون أن تدمير القوات العراقية قادم لامحالة منذ أن بدأت عمليات الحشد الضخمة للقوات الأمريكية في منطقة الخليج في أعقاب الغزو العراقي الأحمق لدولة الكويت في أغسطس‏1990.‏ أي أن شبرد كان لديه الوقت الكافي ليكتب مسرحية متوسطة الطول عن حرب العراق‏.‏ ومن الطبيعي أن تكتسب تلك المسرحية أهمية خاصة بالنسبة للقاريء العربي الذي يعيش اليوم الزمن الأمريكي بكل محاولات تشويه الحضارة العربية تمهيدا لفرض النموذج الأمريكي الأمثل والنهائي‏.‏ والنموذج الأمريكي الأمثل والنهائي هو مايعريه شبرد في قسوة في مسرحية حالات الصدمة عن طريق تفسير الحروب الأمريكية عامة باعتبارها نزوعا غريزية إلي العنف‏.‏
خط الأحداث أو الحدوتة في حد ذاته بسيط‏,‏ فالأحداث تجري داخل مطعم أمريكي بسيط لتقدم زوجين من الشخصيات تتحرك بينهما جرسونة المطعم الوحيدة لتتلقي الطلبات أو تجيء بها الثنائي الأول عبارة عن امراة بيضاء و رجل أبيض‏,‏ وهما يرتديان ملابس بيضاء بالكامل‏,‏ والأجزاء الظاهرة منهما‏,‏ مثل اليدين والوجه‏,‏ بيضاء شاحبة‏,‏ مما يوحي بأنهما ميتان‏,‏ أما الثنائي الثاني فيتكون من الكولونيل الذي يحمل أوسمة الحروب الأمريكية التي شارك فيها و ستبز‏,‏ وهو شاب قعيد علي كرسي متحرك يفترض أنه أصيب بقذيفة مدفع اخترقت بطنة وخرجت من الجانب الآخر أثناء معركة شهد فيها مقتل بن الكولونيل‏.‏ ويؤكد شبرد مبكرا في المسرحية أنه يتحدث عن الحروب الأمريكية وليس حربا بعينها‏.‏ فالكولونيل يرتدي زيا عسكريا غير متجانس‏,‏ فالقبعة قبعة طيار من الحرب العالمية الثانية والسيف الذي يتدلي من وسطه يرجع إلي الحرب الأهلية الأمريكية قبل ذلك بما يقرب من مائة عام‏.‏

وفي ظل علاقات عبثية إلي حد كبير يمكن القول إن الجندي الجريج ستبز ليس جريحا حقا‏,‏ بل ميت هو الآخر‏,‏ فقد اخترقته قذيفة مدفع في منطقة الوسط وخرجت من الجانب الآخر‏,‏ وهي منطقة يكشف عنها الجندي كلما عن له ذلك‏.‏ ويمكن أيضا القول‏,‏ دون أي إخلال بالنص‏,‏ إن ذلك الجندي هو بن الكولونيل الميت الحي‏.‏ لكن مايهمنا هنا هو دلالة الشخصيتين في المسرحية‏,‏ من ناحية‏,‏ يمثل ستبز ماآل إليه الحلم الأمريكي‏.‏ وفي هذا يصف الجندي القعيد نفسه قائلا‏:‏ إن وسطي ميت تماما‏.‏ مركزي كله‏,‏ إذ إن نسبة عجزي هي ثمانين في المائة‏,‏ والجزء المستمر في الحياة مني لايتذكر الأجزاء التي ماتت‏.‏ لقد انفصلت عن بعضها إلي الإبد‏.‏ وهذا العجز والتمزق هو نفس العجز والتمزق التي تحدثت به شخصية الحلم الأمريكي في مسرحية إلبيالتي تحمل نفس العنوان حينما وقف في نهاية المسرحية ليصف عجزه عن التواصل أو التعاطف‏,‏ وعجزه عن الانجاب‏,‏ وإحساسه الدائم بعدم الاكتمال‏.‏ كل مايذكره الجندي الحالي‏,‏ مخاطبا الكولونيل‏:‏ مازالت أذكر اللحظة التي تخليت فيها عني‏.‏ وتخلي الأب عن الابن‏,‏ والتضحية به هو محور الحدث في المسرحية كلها‏.‏

ولن نتوقف طويلا عند إطار التضحية بالابن أو الابناء في الأصول الدينية والأسطورية ودلالة ذلك الإطار‏.‏ كل مايهمنا هنا هو التضحية التي يمارسها الكولونيل مع ابنه أو أبنائه من أجل المباديء والقيم الأمريكية في الواقع هي جوهر الحلم الأمريكي‏,‏ وفي هذا يجسد الكولونيل العنجهية والغطرسة التي صاحبت نشأة الحلم الأمريكي‏,‏ ويرفض‏,‏ بنفس العنجهية والغطرسة‏,‏ بل في عنف غريري‏,‏ أي تحد أو تهديد لذلك الحلم‏,‏ وهكذا حينما يواجهه ستيز أثناء وصفه للمعركة التي أودت بحياة ابنه بحقيقة اختفاء أمريكا‏,‏ أي تخليها عن أبنائها في تلك اللحظة‏,‏ يثور الكولونيل في وجهه ثورة عارمة‏:‏ لاتتحدث بغباء‏,‏ إن ماتقوله تجديف‏,‏ إنه إهانة لذكري ابني‏…‏ إن المباديء باقية‏….‏ ولم يقم هذا البلد علي لحظة جبانةه عابرة‏,‏ إن آثار هذا دولية‏.‏ عالمية‏.‏ وهكذا يؤسس الكولونيل‏,‏ قبل مجيء جورج بوش الابن إلي الحكم بسنوات‏,‏ لمفهوم القدر الخاص الذي قامت أمريكا من أجله‏,‏ والربط بين مصير العالم كله ومصير أمريكا‏..‏

وفي مواجهة لحظات الضعف التي يعيشها الجندي‏,‏ وهي اللحظات التي يفقد فيها إيمانه بالدور الأمريكي المقدس‏,‏ بعد أن أصابت موقعه نيران صديقة‏,‏ أي نيران موقع أمريكي آخر‏,‏ وهي اللحظة التي اختفت فيها أمريكا بالنسبة له‏,‏ يذكره الكولونيل الذي يمثل العسكرية الأمريكية في حروبها المختلفة ضد عدو يشرب الكولونيل نخبه أكثر من مرة في المسرحية‏,‏ يذكر بدوره المقدس بل بتميز عرقة‏:‏ لايجب أن ننسي أننا ننحدر من أشجع السلالات‏:‏ رجل السهل‏,‏ محارب تكساس والمحارب الوحيد‏.‏ ابني‏..‏ هذا ميراث علينا أن نبقي عليه‏.‏

ويصل سام شبرد قبل نهاية المسرحية إلي نقطة يؤكد عندها أن العنف جزء أصيل في طبيعة الأمريكي‏.‏ فالكولونيل يشرح لـ ستبز أن أوقات السلم أوقات استعداد مستمر للحرب تأهبا لعدو قادم لا محالة لأنه‏,‏ أي الكولونيل‏,‏ يصنعه بنفسه‏,‏ لهذا يؤكد للجندي المسكين لقد ولدت وحيدا‏,‏ وإذا حرمت الصحبة فتلك ليست نهاية العالم‏.‏ إن العدوان هو الإجابة الوحيدة‏,‏ فالإنسان يحتاج لهواية‏.‏ لشيء يغرس فيه أسنانه‏.‏

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *