بحث عن الربيع العربى

بداية ثورات الربيع العربى
أثبت جميع الحكام العرب خلال التسعة أشهر الماضية أنهم وبحق أشخاص غير جديرين مواقعهم على سدة الحكم كل في بلده ..فها هي أنظمتهم تتهاوى واحدا تلو الأخر ..وبصورة تدعو المتأمل إلى التصديق على أن من كانوا يجلسون على هذه العروش ليسوا إلا حفنة من المجرمين
على أختلاف نوع الجريمة التي تخصص فيها كل منهم ..فيهم السارق والقاتل والخائن والمفسد إلى أخره في قائمة الإتهامات الموجهة إلى أصحاب السمو والفخامة والجلالة الذين أتفقوا جميعهم وتوحدوا فيما بينهم على أن يكون كل منهم سببا لأن يثور عليه شعبه مضحيا بالغالي والعزيز مقابل إقصاؤه هو ونظامه من على رأس كل دولة أبتليت بواحد منهم ..
ونحن حين نحاول أن نصل لأوجه التشابه بين هؤلاء الحكام والتي بسببها كانت أوجه التشابه بين ردود أفعال شعوبهم ..
سنجد أنهم جميعا أشتركوا في لعب دور الدكتاتور بمنتهى الكفاءة ولكنه دكتاتور من نوع خاص ..فأغلب دكتاتوري التاريخ كانوا يحكمون شعوبا لا يستطيع الناظر أن يميز داخل كل شعب منهم صاحب الحظوة من قليل الحيلة .. إلا أن دكتاتوري العرب تميزوا في إشاعة الفساد داخل أوطانهم كل بأسلوبه وللهدف الذي يريد أن يصل إليه متجاهلين عن عمد وربما كان بدون قصد منهم أن شعوبهم عبارة عن بشر لهم كل ما للبشر من صفات تجعل السكوت والصبر على هذه الاحوال أمر يستحيل أن يمتد إلى الأبد ..
ليأتي عام 2011 وكأنه الموعد القدري الذي أختارته السماء لتثور هذه الشعوب
على هؤلاء الطغاة ولتطوى صفحة من كتاب التاريخ .. وتفتح صفحة جديدة لازالت
معالمها لم تكتمل حتى هذه اللحظة .. لكنها وفي كل الاحوال لن تحتوي على ما هو
أسوأ مما كانت تحتويه سابقتها..

وإذا بدأنا بتونس فأننا سنجد أنه في يوم الجمعة 17 ديسمبر من عام 2010 قام شاب تونسي يدعى ( محمد البوعزيزي ) وهو من العاطلين عن العمل بإضرام النار في نفسه احتجاجا على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بو زيد لعربة يبيع عليها الفاكهة والخضار..وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق الشرطية ( فادية حمدي )التي قامت بصفعه أمام الملأ..وأدى ذلك إلى اندلاع مواجهات بين مئات من الشبان في منطقة سيدي بوزيد وولاية القصرين مع قوات الأمن يوم السبت 18 ديسمبر خلال مظاهرة للتضامن مع البوعزيزي والاحتجاج على ارتفاع نسبة البطالة والتهميش والإقصاء في هذه الولاية الداخلية..وانتهت الاحتجاجات باعتقال عشرات الشبان وتحطيم بعض المنشآت العامة..وتوسعت دائرة الاحتجاجات بـولاية سيدي بوزيد لتنتقل الحركة الاحتجاجية من مركز الولاية إلى البلدات والمدن المجاورة..حيث خرج السكان في مسيرات حاشدة للمطالبة بالعمل وحقوق المواطنة والمساواة في الفرص والتنمية..
وقد تطورت الأحداث بشكل متسارع وارتقت الاحتجاجات لتأخذ طابع سياسي ومطالبة
الشعب بتنحي ( الرئيس بن علي ) عن منصبه وبالحريات ومحاسبة العابثين
بالأموال العامة والتحقيق بقضايا الفساد..

وبعد نحو عشرة أيام من سقوط النظام التونسي .. وبعد دعوات أطلقها نشطاء عبر  مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت..تظاهر الآلاف من المصريين في 25 يناير مطالبين بالإصلاحات ثم برحيل النظام.. لكن الشرطة تصدت لهم بالهراوات ومسيلات الدموع وبالدهس والقتل أحياناً..
لم يتراجع المتظاهرون أمام قمع الأجهزة الأمنية..وواصلوا الاحتجاجات في أغلب المدن المصرية.. ودخلوا في اعتصام دائم ومفتوح .. شارك فيه الملايين بـميدانالتحرير وسط القاهرة وفي المدن الرئيسة الأخرى..ولم تفلح سياسات الوعد والوعيد والإغراء والتهديد التي انتهجها ( حسني مبارك ) في وقف الثورة التي نجحت في الإطاحة به في 11 فبراير بعد 18 يوما من انطلاقها..

واستباقا لقطار الثورة المهدد لأغلب عروش المنطقة .. بادر قادة أغلب الدول العربية إلى اتخاذ إجراءات سياسية واجتماعية لتفادي ما هو أسوأ.. فقد بادر ( الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز ) فور عودته من رحلة علاجية للإعلان عن حزمة مساعدات اجتماعية تتعدى قيمتها مليارات الدولارات..وكان نحو 2000 مثقف سعودي طالبوا في ثلاث وثائق منفصلة بالإسراع في
إقرار إصلاحات واسعة تضمن تطوير نظام الحكم وتمكن من التحول إلى ملكية دستورية..كما خرجت مظاهرات سلمية في مناطق شيعية تطالب بإطلاق سراح سجناء رأي.. واعتقلت الأجهزة الأمنية خطيب الجمعة الشيخ توفيق العامر في منطقة الأحساء بعد دعوته للتحول إلى ملكية دستورية والمساواة في الحقوق..

وفي المغرب أجبرت الاحتجاجات الشعبية ( الملك محمد السادس ) على الاستجابة لأبرز طلب للاحتجاجات وهو تعديل الدستور لترسيخ الفصل بين السلطات. وجراء ضغط الاحتجاجات وخشية من تفاقمها ..ألغى النظام الجزائري حالة الطوارئ المفروضة منذ 19عاما في البلاد .. وأعلان جملة إجراءات في مجالات العمل والإسكان ومكافحة الفساد .. بعد عدة احتجاجات ومظاهرات دامية خلفت خمسة قتلى وعشرات الجرحى ..

كما لم تفلح الإجراءات التي أعلنها ( ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة ) في وقف المظاهرات والاحتجاجات التي تراوحت في الأيام الماضية بين الدعوة إلى الإصلاح وإسقاط النظام.. وواصلت كتلة الوفاق الشيعية مقاطعتها لمجلس النواب .وربطت الاستجابة للحوار بإقالة الحكومة.. وإجراء تعديلات مهمة في النظام.
كما انطلقت الثورة الليبية في 17 فبراير بدعوات للتظاهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت.. مطالبين بإسقاط نظام( العقيد معمر القذافي ).. ومع سقوط قتلى وجرحى تمكن الثوار الليبيون من بسط سيطرتهم علىمناطق الشرق الليبي..وبعض مناطق الغرب والوسط وأخيرا سقطت العاصمة طرابلس بين أيديهم
و لا زال الثوار يلاحقون العقيد القذافي الذي يعتقد أنه مختبىء في أحدى الواحات التي يسكنها أبناء قبيلته وربما يكون قد فر من ليبيا إلى أي دولة أفريقية حسب بعض التوقعات ..

وبالتزامن مع اندلاع الثورة الليبية كان عدد من المدن اليمنية الكبرى تغلي من تحت
حكم (الرئيس علي عبد الله صالح )الذي قدم تنازلات عدة ..بدءا من التخلي عن
التمديد والتوريث .. مرورا باقتراح تعديلات دستورية ترضي المعارضين..وانتهاء
بالمزاوجة بين قتل المتظاهرين وأمر الجيش بحمايتهم..لكن الثوار اليمنيين رفضوا
الإذعان وواصلوا التظاهر في أغلب الميادين.. مخيرين صالح بين التحول إلى رئيس
سابق.. أو إلى رئيس مخلوع واحالتة إلىالمحكمة..

وفي سوريا انطلقت الإحتجاجات يوم الثلاثاء 15 مارس ضد القمع والفساد وكبت
الحريات وتلبية لصفحة .. الثورة السورية ضد ( بشار الأسد )..على الفيسبوك
حيث قاد هذه الثورة الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية
واقتصادية واجتماعية ورفعوا شعار: “حرية… حرية” لكن قوات الأمن
والمخابرات السورية واجهتهم بالرصاص الحي فتحول الشعار إلى “إسقاط
النظام”..ليتحول المشهد إلى ما يشبه الإبادة من قبل النظام لأغلبية الشعب
السوري مستعينا في ذلك إلى جانب الجيش بكافة الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك ..

وبدرجة أقل عنفا وزخما من البلدان السابقة..خرجت مظاهرات تطالب بالإصلاح
السياسي وتحسين الأوضاع المعيشية في الأردن .. ورفع الرواتب وتوفير فرص
عمل وتخفيف الضرائب.. واستمرت المظاهرات لعدة أسابيع .. ورفع المحتجون
سقف مطالبهم حتى طالبوا بتحول النظام إلى ملكي دستوري .. وإسقاط اتفاقية وادي
عربة للسلام مع إسرائيل..وهنا بادر ( الملك عبد الله بن الحسين ) إلى تعيين حكومة
جديدة..وأمر برفع رواتب الموظفين وتخفيض الضرائب..كما التقى بقادة الإخوان
المسلمين لأول مرة منذ استلامه السلطة..

كما شهدت كل من السودان وموريتانيا والكويت ولبنان وجيبوتي مظاهرات متقطعة
طالبت بإصلاحات سياسية وبتحسين ظروف المعيشة..وتشير الشواهد إلى أستحالة
فض هذه المظاهرات دون أن تحصل الشعوب في تلك الدول على ما خرجت للتظاهر
من أجل تحقيقه ..
هكذا وفي تسعة أشهر قد سقط من سقط وبقي من بقي وإن كان بقاؤه أصبح أضعف
من ذي قبل .. ليبقى التساؤل مطروحا .. ماذا ستحتوي هذه الصفحة الجديدة من
كتاب التاريخ والتي طوت الشعوب العربية سابقتها مع بدايات 2011 .

الشرعية السياسية
لقد حازت ثورات الربيع العربي على مشروعيتها بمجرد توافر أسباب ودوافع قيامها، ولكن هذه المشروعية تبرر فقط عملية هدم البنيات السياسية للنظام السابق، فهي تضفي مظلة المعقولية على الثورة أثناء الصراع مع النظام القائم، وهي عمرها قصير ينتهي بنهاية النظام، أما بعد انتصار الثورة وبداية مرحلة تأسيس البديل فيصبح سؤال الشرعية السياسية ملحا، لأن الإجابة عليه هي حجر أساس البنيات السياسية والقانونية للنظام السياسي الجديد.

لقد بدأت ثورات الربيع العربي تحاول الإجابة على سؤال الشرعية السياسية حسب ظروف كل قطر من هذه الأقطار، ولهذا نرى التنافس بين القوى التي شاركت في الثورة يتحول إلى صراع عنيف وان لم يكن مسلحا حتى الآن.

من المعروف أن الشرعية في مثل حالة الثورات العربية، أي في حالة إزالة النظام السياسي الحاكم، يكون موضوعها البنيات السياسية والقانونية التي يستقر عليها النظام الجديد، حيث يتم تثبيتها في شرعية يتوافق أغلبية من يحق لهم التصويت في المجتمع على الرضا والقبول بها، فتصبح دستورا بعد أن أضفي القبول والرضا قيمة الشرعية على كل ما تحويه من مبادئ ومفاهيم وقيم، وبالتالي فإن ما نراه من حراك وصراع بين القوى السياسية في هذه الثورات هو خلاف حول المبادئ والمفاهيم التي يجب أن تضفى عليها قيمة الشرعية السياسية.

وإذا نظرنا إلى هذه المبادئ والمفاهيم التي أصبحت بعد انتصار الثورة موضوع خلاف بين هذه القوى نجد أن معظمها هي الشعارات التي كانت ترفعها المظاهرات أثناء الثورة في المدن وفي ساحات التحرير.

أهم هذه المفاهيم والمبادئ التي كانت تعبر عن الحقوق والطموحات والرؤية لمستقبل الحياة السياسية في دولة ما بعد الثورة يمكن أن نجملها في: الحرية السياسية، وحرية التعبير والتفكير، والاحتكام إلى قواعد الديمقراطية عند الاختلاف، ودولة مدنية تتساوى فيها الحقوق والوجبات بين المواطنين.
لم يكن هذا الخلاف ظاهرا أثناء الصراع مع العدو المشترك، ولكن بعد انتصار الثورة وسقوط النظام أخرجت مرحلة التأسيس هذا الخلاف إلى ساحة الصراع حول شرعنة هذه المبادئ والمفاهيم، وبما أن شرعنتها تعني إضفاء قيمة الشرعية السياسية عليها، إذن كان لا بد من استدعاء الثقافة باعتبارها هي الحاضنة لكل القيم.
من هنا جاء الاختلاف حول إشكالية الشرعية السياسية في ثورات الربيع العربي، وهذا في نظرنا يرجع إلى سبب جوهري يتمثل في أن هذه الثورات كانت ذات أبعاد سياسية، فقد تحولت حالة الرفض والقنوط بين مختلف فئات المجتمع إلى حالة تمرد عفوي ارتقى إلى مرحلة الفعل الثوري المتميز بوضوح الهدف وبثبات الزخم الجماعي الذي يتغذى من ارتفاع سقف التضحيات.
لقد كان محرك هذه الثورات سياسيا بالدرجة الأولى، فالفعل الثوري كان موجها ضد طغيان وفساد الأنظمة وانسداد أفق المستقبل السياسي أمام هذه الشعوب، بالتالي فإن المبادئ والقيم التي حملتها شعارات الثورة كانت في الحقيقة هي الصيغة السياسية المضادة لهذه الأنظمة والمعبرة عن التطلعات السياسية لهذ الفئات في مواجهة الديكتاتورية واحتكار السلطة وفسادها ومصادرة حرية التعبير والحق في الاختلاف وانعدام المساواة وفي مواجهة تغول الدولة وشخصنتها وعدم خضوعها للقانون.
لقد نجحت هذه الثورات في اقتلاع كل ما هو سياسي، فأسقطت الأنظمة ومؤسساتها السياسية، وحررت الشعوب من ديكتاتوريتها، ولكنها لم تمس مرجعية الشرعية السياسية لهذه الأنظمة، لأنه في الواقع لم تكن هذه المرجعية في البنيات والمؤسسات التي سقطت بل توجد في الثقافة التي لم يمسها التغيير، وذلك لأن هذه الثورات لم تسبقها ثورة ثقافية على غرار ما حدث لثورات القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

فالثورة الفرنسية على سبيل المثال سبقها ما عرف بعصر الأنوار، وهي ثورة ثقافية قطعت مع معظم قيم ومبادئ ومفاهيم الثقافة السابقة، فلما قامت الثورة السياسية وجدت مرجعية شرعيتها السياسية في قيم الثقافة الجديدة، التي تأسست على قيمة العقل بدلا من الميتافيزيقي، وعلى العلم بدلا من الغيبي، وعلى المساواة بين أفراد النوع البشرى بدلا من التفرقة الجنسية أو الاجتماعية، وعلى قيمة المواطنة بدلا من التمييز العرقي أو الديني، ولهذا فإن الخلاف حول شرعية السلطة السياسية كان يجري انطلاقا من قيم الثقافة التي ترسخت قبل قرنين من الثورة السياسية.
هذا لم يكن حال ثورات الربيع العربي التي لم تسبقها ثورة ثقافية تؤسس لقيم ومفاهيم ومبادئ جديدة، فالثقافة العربية حافظت على إرثها القيمي والمعرفي، وظلت تدور في فضائها الميتافيزيقي ويتغذى مخيالها من المقدس والملحمي والقدري والبطولي والإلهامي، وظلت جميع الأنظمة السياسية العربية بمختلف أشكالها قادرة على أن تستمد مرجعية شرعيتها السياسية من هذه الثقافة.
لم يكن بإمكان ثورات الربيع العربي أن تتجاوز ثقافة مجتمعاتها، وبالتالي بحثت عن مرجعية لشرعيتها السياسية من داخل قيم هذه الثقافة، وذلك بقصد تبيئة المفاهيم المبادئ التي كانت تمثل شعارات الثورة وتريد أن تؤسس عليها مؤسساتها وبنياتها السياسية، وقد ترتب على ذلك أمران:
أولا: أن هذه الثورات ظلت تستمد مرجعية شرعيتها السياسية من الثقافة نفسها التي كانت الأنظمة السابقة أيضا تجد فيها من القيم ما يضفي عليها شرعية سياسية.
ثانيا: أدى الاحتكام إلى قيم نفس الثقافة لإضفاء الشرعية السياسية على هذه الثورات إلى صراع بين القوى التي شاركت فيها، فالطرف الذي يحاول انطلاقا من هذه الثقافة إضفاء الشرعية السياسية على بعض المبادئ والمفاهيم التي رفعها أثناء الثورة وجد نفسه في صدام مع طرف آخر يعد تلك المفاهيم والمبادئ هجينة ودخيلة ومتناقضة مع كل قيم الثقافة، وبالتالي لا يمكن أن تمنحها هذه الثقافة أي قيمة تضفي عليها الشرعية السياسية، فكل المبادئ والمفاهيم من أمثال الحرية السياسية وحرية الاعتقاد وإرادة الأمة والمساواة الدينية والجنسية، كلها لا تجد سندا ولا مرجعا قيميا في هذه الثقافة بشقيها التقليدي العرفي والديني.
فالثورة السياسية وحدها لا تستطيع أن تشرعن هذه المفاهيم وهذه المبادئ، ومن هنا جاء الخلاف وجاءت مشكلة البحث عن حاضنة لهذه المبادئ والمفاهيم في ثقافة لم تتغير منظومتها القيمية والمفاهيمية والرمزية، مبادئ ومفاهيم نشأت في أحضان ثقافة تجعل من الإنسان بعقله وحريته صانعا لكل القيم، بينما يراد تسكينها في ثقافة لا ترى في الإنسان سوى متلق للقيم.
هكذا بدا مشهد الصراع بين قوى ثورات الربيع العربي حول مرجعية الشرعية السياسية لهذه الثورات، صراعا حول الثقافة وليس حول السياسة، مما يجعله أبعد عمقا وأشد خطورة وتهديدا لمآل هذه الثورات.
من البديهي يمكن القول بأنه ليس بإمكان أي ثورة أن تنجح وتصل إلى أهدافها أو بعضها بدون رؤية واضحة وخطة مدروسة وتنظيم محكم وتوجيه دائم. كما أن الثورة التي لا تتضمن تلك العناصر مآلها الفوضى والتخبط ثم الفشل.
لكن المتابع للكيفية التي من خلالها اندلعت ثورات الربيع العربي بدءًا من تونس ومرورًا بسائر الاقطار العربية التي شهدت تلك الاحتجاجات، خصوصًا في بداياتها، لا يرى أنها تحتوي على أي من تلك العناصر المشار إليها، بل ما هو أكثر إلفاتًا في تلك الثورات انها بدأت بصورة عفوية وفجائية وبدون سابق تخطيط.
الحراك الثوري
إن عدم وجود تخطيط أو برنامج مسبق للثورات العربية في بداية انطلاقتها لا يعني بالضرورة أنها استمرت على هذا النحو. ولو كان الأمر كذلك لما كتب لبعضها النجاح، الجزئي على الأقل، وفي فترة قصيرة جدًا، كما في الحالة التونسية والمصرية مثلاً.
ولقد اعتمدت هذه الثورات بشكل أساسي على الحس العفوي كمصدر أساسي لنظرية الثورة وعلى خفّة الحركة كأسلوب أساسي لممارسة الثورة. من هنا يمكن القول بأن الثورات العربية استلهمت نظرية وأسلوب الثورة من مصدر قريب منها ألا وهو الثقافة الشعبية العامة .
ولقد أصبح القهر والحرمان الممزوج بالذل، بمثابة الوقود الذي فجر وأشعل شرارتها في تونس وزودها بالاستمرار والانتشار السريع والواسع والعابر أيضًا لحدود تونس.
ومع أن الغضب الكامن في نفوس المواطنين العرب هو أحد محركات الثورات الأساسية، إلا أن مسارها لم يكن هو الانفعال والهيجان، ولو كان الأمر كذلك لكان الطابع العام للثورات العربية هو العنف والفوضى، في حين أن نقيض ذلك السلوك هو الذي برز على السطح، لهذا أصبحت “السلمية” هي السمة الأبرز للثورات في معظم الأقطار.
واستطاع الشباب الثوار الذين نزلوا إلى الميادين والساحات، واكتظت بهم، استطاعوا أن يحولوا الغضب الجماهيري الكامن في النفوس إلى قوة سياسية فاعلة وضاغطة، استطاعت ان تحرك عجلة التغيير في بعض الاقطار العربية، وأجبرت بعض الأنظمة الدكتاتورية على التنحي عن السلطة والتخلي عن مناصبهم، كما أوصلت رسالة بالغة الوضوح إلى العديد من الأنظمة العربية الأخرى، مؤداها أن بادروا في الإصلاحات المرجوة قبل أن يجرفكم طوفان الثورة القادم ويصبح مصيرهم كمصير نظرائهم.
وصحيح أنه لم يكن على رأس الثورات العربية قيادات ملهمة، تحرك الجماهير وتوجهها الوجهة التي تريد، كما هو شأن الثورة الإسلامية في إيران 1879م مثلاً، كما خلت الثورات أيضًا من وجود فلاسفة ومنظرين للحراك الثوري، الذي يتناسب مع مختلف مراحل التغيير. ولم يكن خلفها أحزاب سياسية تعبئ الجماهير وتشحذ هممهم وتوجه طاقاتهم لممارسة مختلف أشكال الأعمال الثورية المطلوبة.
وكل تلك العناصر وفق الأشكال التقليدية المعهودة سابقًا، لم تكن موجودة. لكن الشئ المؤكد أن هناك ثمة رؤية جماعية مشتركة للثوار، كانت تصنع في الشوارع والميادين وعبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال عملية الحوار المستمرة، وكانت هي البديل الموضوعي عن القائد الموجه والفيلسوف المنظر والحزب المنظم أيضًا.
ولقد أدرك المهتمون بثورات الربيع العربي جيدًا بأن القيادة وعمليات التوجيه والتنسيق والتنظيم والتخطيط ليست عناصر مفقودة في الثورات المعاصرة، وإن لم تكن حاضرة منذ البداية، وإنما أصبحت تلك العناصر والعمليات في صور وأشكال مختلفة عن ذي قبل.
بروز هذا النمط الجديد من العمليات والعناصر، التي أضحت سمات بارزة للثوارت العربية، مرده تطور وسائل الاتصال وتقنياته، وسهولة التواصل بين الناس، إلى جانب ارتفاع منسوب الوعي السياسي والحقوقي في صفوف الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأوسع والأكثر تأثيرًا في العالم العربي.
لقد سميت الثورة في إيران قبل ثلاثة عقود، بثورة ألكاسيت لأنها كانت تعتمد على الكاسيت كوسيلة أساسية للتوجيه والتعبئة والتثقيف السياسي، في حين أن ثورات الربيع العربي اعتمدت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية التي تنقل الأحداث لحظة بلحظة، مضافاً إلى الحوارات الجارية في الشوارع والميادين، ومحاكاة الثورات لبعضها البعض والأخذ منها بما يتناسب مع ظروف وخصوصيات البلد، الذي بدأ يعيش حراكًا ثوريًا.
فيما يتعلق بفلسفة الثورة، فأنه يقصد بها أمران “مجموع التصورات والافكار والطروحات التي تتبناها الثورة، والتي تشكل في مجموعها “الرؤية”. والنهج الذي تسلكه الثورة للوصول إلى أهدافها والذي يتمثل في مجموع الأعمال الثورية، التي تعكس أفكار وتوجهات الثورة غالبًا.
فالرؤية التي تبنتها الثورات العربية، لم تكن معقدة أو غامضة، بل كانت في غاية البساطة والوضوح.
لقد اختزلت الرؤية في مطلبين اساسين لم يختلف عليهما إثنان، الأول ضرورة عتق المجتمع من هيمنة الاستبداد السياسي بصورة سلمية.
وثانيهما، إقامة نظم سياسية تعزز حاكمية القانون والشراكة الشعبية وتحقق العدالة والمساواة الاجتماعية وتحترم الحريات العامة.
أن سلمية الحراك الثوري وبساطة ووضوح الرؤية التي تبناها الثوار، حققا العديد من المكاسب المهمة، كان أبرزها تبني غالبية الثوار لها، مما شكل إجماعًا حقيقيًا حولها، إذ أصبحت هي البديل الموضوعي للقيادة الجامعة. إلى جانب ذلك، فقد لاقت ترحيبًا وقبولاً دوليين، مما شكل الحاح الثوار بالمطالبة بتجسيدها ضغطًا حقيقيًا على النظام السياسي الذي ثار الناس ضده.
وفي الأخير وجد رأس النظام نفسه مجبرًا على الاستجابة لضغط الشارع والانصياع التام لمطالب الثوار.
النهج السلمى
أما بالنسبة إلى النهج الذي سلكته الثورات العربية، فلقد كان سلميًا في معظم الأقطار العربية التي اندلعت فيها الثورات، واتضح ذلك من خلال الشعارات التي رددها المتظاهرون في مختلف الميادين والساحات، وكذلك أيضًا من خلال مجموع الأعمال الثورية المدنية، التي اعتمدها المحتجون كوسائل ضغط لإسقاط الأنظمة المستبدة.
اهداف الثورات
أما فيما يتعلق بأهداف الثورات العربية، فيمكن إجمالها في هدفين رئيسيين، شكلاً محل إجماع لمعظم المواطنين العرب، وهما أولاً “الإطاحة بالنظم الاستبدادية بكافة شخوصها، وهذا يتطلب إحداث قطيعة كلية مع الحقبة الماضية المليئة بالمآسي والحزن والألم والتخلف والفساد”.
وثانيًا “إقامة نظم ديمقراطية حقيقية وفاعلة، تحقق ما عجزت عن تحقيقه النظم السابقة، وتلبي الحد الأدنى والمعقول من تطلعات الجماهير التي صنعت التغيير”.
ومما سبق يمكن القول بأن التشخيص القائل، بأن الثورات العربية لا تمتلك رؤية ولا قيادة ولا برنامج عمل ولا أهداف، هو تشخيص يخلو من الموضوعية.
كما أن القول بأن ما جرى ويجري في العالم العربي، الذي انفجر من أقصاه إلى أقصاه، ما هو إلا مجرد تمرد وسخط وهيجان اجتماعي فوضوي وعبثي، وأن الثورات تفتقر إلى فلسفة(رؤية) أو فلاسفة ومنظرين أيضًا هو تشخيص لا يستقيم مع الواقع.
نعم قد تكون هناك مؤاخذات عديدة على الرؤية أو برامج العمل أو بعض التفاصيل المرتبطة بهما، ولكن هذا لا يلغي وجودهما.
لقد أصبح الثوار الشباب في العالم العربي بإبداعاتهم الثورية ووعيهم وحواراتهم المستمرة، بمثابة الفلاسفة والمنظرين والقادة الموجهين الذين قادوا ونظروا للثورات التاريخية الكبرى التي حدثت في التاريخ الغابر، وفي أكثر من مكان.
وهذه ميزة جديدة تميزت بها الثورات العربية، وهي بحاجة الى المزيد من الدراسة والتأمل.
نفاذ الرصيد
لقد برهنت الثورات العربية على أن قابلية معظم الشعوب العربية للتعايش مع الأنظمة الاستبدادية التي ذاقت منها الأمرين قد نفدت أو أنها في طريقها للنفاد”.
يظهر أن شعوب المنطقة وصلت إلى قناعة مؤداها: أنه لا خيار مع تلك الانظمة لإصلاح الأوضاع إلا الإطاحة بها، واستبدالها بنظم سياسية ديمقراطية أخرى، وإن الطريق الأمثل والأنجع والأقصر إلى تحقيق ذلك الحلم، صار في نظرهم هو خيار “الثورات السلمية المدنية”.
أن هذه القناعة ما كان لها مجال لتتولد لدى الشعوب العربية وتنمو إلا بعد الأحباط وفشل كل وسائل ومحاولات وتجارب الإصلاح الأخرى والسبب في ذلك يعود إلى تعسف وجمود الأنظمة.
كما أن التجارب القائمة، أثبتت بما لا يدع مجالاً من الشك أيضًا أن لدى الشعوب العربية مخزونًا هائلاً من الاستعداد الكبير على التضحية في سبيل تغيير واقعها السيئ لأجل العيش بحرية وكرامة ورفاه.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *