محمد عناني: المترجم مبدع يشكّل النص في جوهره ومعانيه

Spread the love

القاهرة – محمد عناني قمة شامخة في الترجمة والإبداع الأدبي. له العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة منها: النقد التحليلي – فن الكوميديا – الأدب وفنونه – المسرح والشعر – فن الترجمة – فن الأدب والحياة – التيارات المعاصرة في الثقافة العربية – قضايا الأدب الحديث – المصطلحات الأدبية الحديثة – الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق. والعديد من الأعمال الإبداعية منها؛ ميت حلاوة – السجين والسجان – البر الغربي – المجاذيب – الغربان – جاسوس في قصر السلطان – رحلة التنوير – ليلة الذهب – حلاوة يونس – السادة الرعاع – الدرويش والغازية – أصداء الصمت.

لقد دوّى اسم د. عناني في عالم الثقافة لما له من بصمات واضحة ينفرد بها في عالم الترجمة التي يراها، كفن لا يمكن أن تحلّ منه الأدوات المساعدة الجديدة من تقنيات تكنولوجية، كالكمبيوتر والإنترنت، محلّ المترجم الذي يمكنه إتقان وصياغة هذا الفن… من خلال حوارنا التالي معه نتعرّف على أسباب رفضه للمناصب والمسؤوليات، ونتعرف أكثر على وجهة نظره في تطوير وزارة الثقافة واستراتيجيات عملها.

– هل ترى أن هناك تباعدا بين الثقافة وما يحدث على الساحة السياسية الآن؟

بطبيعة الحال تتغيّر إزاء الثورة الثقافية، بمعنى أن ثقافة الإبداع والاستمرار ستنزوي قليلا، وتحلّ محلها ثقافة التغيير والتطوير والتحسين والنهضة، وعندما تستقرّ ثقافة النهضة تعود ثقافة الإبداع. ومستقبل الثقافة بعد الثورة في طريقه إلى الأفضل؛ لأننا اكتسبنا من الثورة روحا جديدة تنبأ بها كثيرون في أعمالهم الأدبية، الأدب العربي في مصر على مدى السنوات الخمس عشرة السابقة، حتى الآن أرهص وتنبأ بـ25 يناير، وسنجد ذلك في روايات لا تخطر على البال، حتى عند أناس لم يتوقعوا ثورة 25 يناير، تجد ذلك في روايات يوسف القعيد، وجمال الغيطاني، رغم أنهما لا يفصحان عن علاقتهما مباشرة بالثورة، وخيري شلبي الذي كانت لديه القدرة على أن يتنبأ، وبالفعل تنبأ بثورة 25 يناير في أكثر من عمل دون أن يلتفت أحد، والناس مرُّوا عليها مرور الكرام، فالفنان بحسّه لديه القدرة على استشفاف المستقبل؛ لأنه يقرأ الواقع على مستويات أعمق بعكس السياسي؛ لأن الفنان يغوص في النفس ويقرأ ما يمكن أن يحدث بعد سنوات.

-هل ترى أنّ الأدب أسهم في تنوير الجماهير قبل الثورة؟

أول لبنة وضعت في هذا الصرح، كانت لبنة لتوفيق الحكيم في رواية “عودة الروح”، حتى الآن نعود إلى الكتاب، ومن بعده نجيب محفوظ، ثم الجيل الجديد من الكتاب أمثال يوسف القعيد، فمن يقرأ لهؤلاء يشعر بنبض مصر وجماهير مصر.

أرفض الإدارة

– رفضت أن تتولّى العديد من المناصب “مسؤول عن العلاقات الثقافية الخارجية بوزارة الثقافة، ومنصب الرقيب على المصنفات الفنية… إلخ”، ولكن هل تقبل أن تكون وزيرا في تلك المرحلة الانتقالية؟

لا يمكن على الإطلاق… هذا محال؛ لأنني لا أستطيع الإدارة؛ لأنها موهبة والتعامل مع الآخرين وتوجيههم وإرشادهم أو قيادتهم تتطلب شخصية مختلفة تماما عن الشخصية التي ولدت بها، أنا أسمع أكثر مما أرشد أو أقرأ أكثر ما أكتب، وأختلي بنفسي أكثر مما أجتمع مع الآخرين، فأنا أكره الإدارة وأنبذها وأعتبرها عدوا للإبداع، وأنا أساسا مبدع سواء في الترجمة أو في الشعر.

– لو افترضنا أنك حملت حقيبة وزارة الثقافة، ما أول قرار ستتخذه؟

هذا احتمال بعيد، لكن أرى أن وزارة الثقافة يجب ألا تعمل وحدها، بل يجب أن تتعاون تعاونا وثيقا مع أجهزة الإعلام وأجهزة صناعة الثقافة الحقيقية، كوزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، فإذا حدث ذلك تصبح وزارة الثقافة هي الدينامو الذي يوجّه المجتمع إلى الطريق القويم.

– ما أهمّ المصادر التي كان لها أكبر الأثر في تكوين خلفيتك الفكرية؟

شربت التراث العربي وأنا طفل في الكتاب، وحفظت القرآن خلال ثلاث سنوات، لقد نشأت وعشت في الريف الذي يعتبر مصدرا معرفيا لا نقدره حق قدره، وأنا أتكلم عن ريف الأربعينيات، عندما كان الناس متماسكين، يجمعهم مشروع قومي وإيمان بأنفسهم وبالأرض وبالله، وفي هذا المناخ كنت أتنقل وأنا طفل في حوالي الخامسة من عمري في بلدي البحيرة، بين الطبيعة والفلاحين وصناع المراكب والصيادين بأمان كأني في منزلي، الكل يعرف بعضه، وهذا كان المصدر الأول، ثم أضيف إليه مصدر مناقض تماما، وهو حياتي في إنجلترا، أي الثقافة الأوروبية لمدة عشر سنوات متّصلة، حتى أتشرب اللغة الإنجليزية، ولم أستطع أن أشربها دون أن أشرب معها الثقافة الغربية، كنت كمن يحاول أن يغيّر جلده، لكنني اكتشفت أنني كنت أضيف جلدا آخر فوق جلدي، ولم تزل أبدا من باطني أصول الثقافة المصرية الصادقة التي أنشدها هذه الأيام، ولكن بكل أسف أفتقدها، ولا أجدها.

الإبداع الشعري

– قلت: “أنا غير راضٍ عن معظم الشعر الذي كتبته ونشرته، وغير راضٍ عن بعض المسرحيات التي كتبتها”…لماذا؟

لأنني قرأت أحسن منه، وأنا رجل طموح وأحب أن يكون شعري الذي أكتبه في مستوى الشعر الذي أحبّه وأقرأه وأعجب به، ومشكلة أي ناقد يكتب الشعر أنه يكون مدركا كيف تفوق غيره عليه، وأرجو أن أتفوق مثلهم، ولست قادرا؛ لأنّ الإبداع حياة كاملة، فملكته لا تقبل معها ملكة نقد، ولا ملكة تفكير تجريدي، ولا أيّ ملكة أخرى، ملكة الإبداع أنانية وديكتاتورية ومستبدة، وترفض أن يتدخّل في عملها أحد، ولذلك المبدع الحقيقي لا يتحوّل إلى كتابة النقد، ولا للتفكير المدرج إلا بعدما يكتب وهنا الملكة تسمح له.

موقف المترجم

– قلت من قبل: نحن لا نحترم المترجم…وأدبنا العربي لن يصل إلى العالمية، لماذا؟

لأننا لا نحترم المترجم بالفعل، وأدبنا العربي لن يصل إلى العالمية؛ لأننا لا نخدمه كما يخدم أصحاب الآداب الأخرى أدبهم ولغتهم، فلو أنّ واحدا يكتب في بلد فقير في أميركا الجنوبية رواية، نجدها تترجم في اليوم التالي لعدّة لغات، ولكن للأسف نحن هنا نكتب روائع ولا أحد يلتفت إليها ولا أحد يترجمها، ولو ترجمنا تتمّ محاربتنا، ويقولون إنه يريد أن يكسب مالا… أنا أنتجت سلسلة اسمها “الأدب العربي المعاصر” بالإنجليزية، وأخرجت منها 75 عنوانا، ولكن بعد وفاة سمير سرحان، تمّ إيقافها بأمر من رئيس الهيئة ولن أذكر اسمه، وللعلم تلك السلسلة جميع أعدادها نفذت ولا يوجد منها اليوم عدد واحد، والغرب يتلهفون عليها، وكانت مكافأة المترجم في كتابة مقدمة لترجمة نص من عربي إلى إنجليزي ألف جنيه!

“هذه هي الثروة التي يتحدّثون عنها ويقولون أنها كثيرة علينا، للأسف تفكير الناس غريب، كما يقولون إن المترجم يقوم بترجمة كلام غيره، وإنه ليس مؤلفا ولكنه ناقل لكلام غيره؟! لابدّ أن يدركوا كيف نقله وبأي رؤية وبأي أسلوب، بحيث يصبح أدبا بلغة متميّزة، وهذا هو المحك أن تترجم الأدب أدبا ولا تخلّ بالنص، فإذا نجحت في إقناع القارئ الأجنبي أنه أدب، أدبنا العربي لم يترجم منه واحد في المئة، في حين أن 99% من الآداب الغربية تتمّ ترجمتها؛ لأنهم يعرفون قيمة الأدب وقيمة المترجم التي لا نعرفها نحن، المركز القومي للترجمة يعطي أجورا معقولة ويعرف قيمة المترجم، ولكن كم تبلغ ميزانيته وإمكانياته؟ وهذا يرجع إلى وزارة الثقافة، نحن ننهض يوم أن نحترم الثقافة ونضاعف ميزانية وزارة الثقافة، فالمترجم له دور كبير في نشر الثقافة الحقيقيّة حول العالم”.

مشاكل كثيرة

– وما المشاكل التي عانى منها مجال الترجمة أو الوسط الثقافي بشكل عام قبل ثورة 25 يناير؟

وجهة نظر الحكومة في الثقافة هي المشكلة، يجب أن يكون هناك رئيس حكومة مؤمن بالثقافة والتعليم ودور الترجمة، أذكر ذات مرة أن كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق، وهو حي يرزق الآن، غضب من أجل التعليم وقرر أن مجلس الوزراء كله يتولّى بحث السياسة التعليمية، وحوّل ملف التعليم كلّه لمجلس الوزراء، وبعض الناس قالوا إنه يأخذ سلطة غيره ولكن لا، الرجل مخلص، وقال: “إنّ الناس لا يتعلّمون ويتخرّجون من المدرسة وهم لا يجيدون القراءة والكتابة، والناس يتخرجون من المعاهد الفنية والصناعية وهم حافظون كتبا في إصلاح الأجهزة مثل التكييف وغيره ولا يجيدون إصلاحها بالفعل”، وقد قال الجنزوري هذا الكلام في مؤتمر اقتصادي وقرر أن يتناول التعليم، والنتيجة إنه لم يعجبهم .

-كيف يمكن أن تسهم الترجمة في التقارب بين الشرق والغرب؟

بالفعل الترجمة يجب أن تقوم بذلك الدور، وأعتقد أنّ ذلك واجب ملزم يجب أن نبدأ به، وتكون له الأولويّة المطلقة، وأعتقد أن ذلك فرض واجب يكاد يكون موجودا، فالعالم لا يفهمنا لأنه يتصوّر أننا نقول كلاما لا يفهم؛ وذلك بسبب سوء ترجمة العربي إلى اللغات الأجنبية، أنا ترجمت روايتين نشرتا في مصر، وأيضا نشرتا في أميركا، وترجمت لشعراء مصريين ونشرت في أميركا، وكان ردّ الفعل هائلا، حيث أثرت تأثيرا كبيرا والناس يرسلون لي إيميلات يطلبون المزيد، وسوف أستمرّ إن شاء الله.

الخبز والثقافة

– كيف يمكن تشخيص علّة الثقافة؟

العلل معروفة والعلاجات معروفة، أي أنّ الداء والدواء معروفان، والقضية قضية أولويات، الناس لا يريدون ثقافة ولكنهم يريدون رغيف خبز، فهذه أولويات ولكن الخبز دون تعليم وثقافة يهبط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، وكما قال شكسبير: “ما قيمة الإنسان لو عاش من أجل أن يأكل وينام؟ سيصبح مثل الحيوان دون عقل”…نحن ننمّي العقل مع الجسم، يعني أعلّم الطفل وأنا أطعمه، وأنا أريد أن أسمع تلك الجملة من أيّ أحد في الوزارة، بدل التهريج في التليفزيون، ما أصابنا بالملل، أين التعليم والعلم؟

– لماذا تمنيت أن تكون كاتبا شاملا في إطار ما يسمّى النقد الثقافي؟

النقد الثقافي كان يسمّى فيما مضى بالنقد الأيديولوجي، ثم اتضح أنه أوسع نطاقا من الأيديولوجية، فالنقد الثقافي معناه ربط كل ظواهر الإبداع بجذورها الثقافية، والجذور الثقافية لا تقتصر على المظاهر الجمالية التي اعتدنا إطلاق اسم الثقافة عليها “النحت- الرسم- التصوير- الموسيقى…إلخ”، والجذور الثقافية هي منابع الحياة، فلسفة الحياة والعلاقات الاجتماعية، شبكات العلاقات المتداخلة بين الأفراد في العشائر المتضامنة والمترابطة لتصنع النسيج الاجتماعي العام، كل هذا نجده في الأدب وغيره من الفنون، فالنقد الثقافي هو نقد يقيم رابطة حيويّة بين الإبداع والثقافة.

– تطورت وسائل الترجمة الالكترونية، هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى الاستغناء عن المترجمين مستقبلا؟

الكمبيوتر والإنترنت أدوات مساعدة تساعد المترجم، ولكنه هو العقل المفكّر، والترجمة العلميّة ممكنة على الكمبيوتر ولكن من غير صياغة.

– والدك د. محمد عناني قضّى عشرين عاما في إنتاج موسوعة عن الطيور، إذا أردت أن تصدر موسوعة اليوم فعن أيّ شيء تكون؟

بالفعل أعمل الآن على موسوعة شكسبير، وأملي أن أعيش حتى أستكملها بإذن الله، وعرضها للبيع بربع الثمن، وتكون موجودة في المدارس، حتى يحبّ الطالب اللغة العربية عندما يقرأ ترجمتي ويحب الأدب الإنجليزي والمسرح والشعر.

ترجمة القرآن

– ترجمة القرآن من أدق الترجمات… ألا تعتبرون أنّ تعدّد الترجمات هو تشتيت لذهن القارئ؟

القرآن، كما قال علي بن أبي طالب، حمّال أوجه، ويقبل أن يترجمه الناس بعدة طرق، أمّا الطريقة المثلى فلا يعلمها إلا الله، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كل مجتهد يجتهد؛ لأنه يعبّر عن مفهومه وفق تفسير معين، يعني وأنا في السعودية كنا ملتزمين بالتفسير السنّي، وكنا نقرأ للقشيري ولا نأخذ به، وكنا نقارن الترجمات السابقة، ونحضر 19 ترجمة سابقة لكل آية، ونقارن بينهما ونرى أيّتها أصدق، وقد نأتي بترجمة جديدة مختلفة أو نولّد منها شيئا جديدا، مراعين القارئ المعاصر.

الرابط الاصلى للمقال
من هنا 

Sabry Amin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: