قبل 6 آلاف عام العراقيون وضعوا القواميس وترجموا الكلمات

الحضارة العربية احتفت بالثقافة السريانية

بهنام نيسان قريو
ترجمة النصوص القديمة شكلت على مر العصور مسألة دقيقة ومعقدة بل وفي بعض الاحيان  معضلة حقيقية محفوفة بالمخاطر خاصة اذا كان الامر يتعلق بنصوص خالدة  تحولت على مر الدهور الى صرح عال لا يمكن المس به. “العرب” تفتح ملف ترجمة النصوص القديمة من خلال ثلاثة مفاصل أساسية تتعلق بالترجمة ومشكلاتها وطرائق التعامل معها. محاولة من باحث عراقي طرح استراتيجية عامة للترجمة.
النصوص الكبرى والخالدة تضع المترجم أمام امتحان صعب يجعله يطرح السؤال التالي: هل من الممكن ترجمة فصاحة النص الأصلي وإدراك صدى الأصوات اللغوية وأجراسها وتجسيد المشاعر والتركيز على موسيقى الإيقاعات الشعرية بأمانة وفي الوقت نفسه الحفاظ على البيئة الذهنية الأصلية وتجنب الحشو والتَطبُع واللغو رغم الهوة الواسعة ما بين اللغتين وإيصال ثروة وحساسية النص المترجَم إلى القراء؟
لم تكن الترجمة عملية آلية، وخاصة ترجمة النصوص المسمارية التي وصلتنا على هيئتها الأولية وبنصوصها الأصلية كما دونت بأقلام كتبة العراق القديم على ألواح الطين منذ ما يقارب الستة آلاف عام، نقول: ترجمة تلك النصوص تتطلب أكثر من عملية نقل من لغة إلى أخرى.
هنا الترجمة تصبح حوارَ عشق مع الكلمات ومع أصولها، جذورها، بيئتها الثقافية، عقلية كاتبها، تلك الكلمات البكر التي وصلتنا كما هي وهي أقرب من حبل الوريد إلينا، حلت بيننا ألواحا وطلعت علينا من رحم هذه الأرض. وعليه، فإن ترجمتها مسؤولية كبيرة تتجاوز صنعة الترجمة كمهنة ليس إلا، ذلك أن الشهادات الجامعية المختصة بتقنيات وعلوم الترجمة وحدها غير كافية للغوص في عوالم كهذه ويتوجب على المترجم، إضافة إلى كونه حلقة وصل وجسر بين الحضارات ومرآة عاكسة لثقافات عديدة متشابكة، أن يتقمص عقلية وذهنية تلك الثقافات مما يؤكد ما قاله أجدادنا الأولون: كل لسان إنسان! فالترجمة فن بكامل معنى الكلمة فهل يا ترى باستطاعة المترجم  لعب دور الفنان في هذا الميدان؟
شيء من التاريخ
لقد انكب خبراء الترجمة في الغرب على البحث عن الحقبة الصفر في الترجمة، ونحن نعلم أن العراقيين القدماء نقلوا إلينا قبل ستة آلاف سنة قواميس حقيقية وفهارس تفصيلية عن معاني الكلمات وتعليل أصولها وتاريخها أو ما يسميه علماء اللسانيات اليوم بالإيثمولوجيا. كما ورَدَت علينا منهم لوائح بالألفاظ المترادفة ومسارد الأسماء ومعاجم متعددة اللغات وتفاسير المفردات وألواح مسمارية بعدة لغات سومرية أو آكدية أو آرامية. أما الغرب فإنهم كالعادة مازالوا يعتبرون التوراة الكتاب التاريخي بامتياز، فاهتموا بأسطورة برج بابل في التوراة كحلقة مفصلية في الترجمة، ذلك البرج الذي شيِّد بغرور بني البشر. لكن ما رسخ في الأذهان من هذه الخرافة هو أن بابل، ومعناها باب الآلهة، قد كانت كذلك بابا مشرعا على صنوف اللبس والالتباس.
فبعد أن كان البشر يتكلمون لغة واحدة ووحيدة، شرعوا يلهجون بلغات كثيرة بحيث لا يفهم بعضهم لسان بعض، فإذا هم قد صاروا مصدرا للدمار والخراب. حيث تبلبلت لغة البشر وأرغموا على الترجمة، كما نعرف أيضا عناية الخليفة هارون الرشيد واهتمامه بترجمة الكتب، حيث أمر بترجمة جميع ما وقـــع بين يديه من الكتـــب اليونانيّة والسريانيّة، كما وسّع ديــــوان الترجمـــــة الذي كان قد أنشـــأه الخليفة المنصور لنقل العلوم إلى العربيّة وزاد عدد موظّفيه.
ولما تولّى المأمون الخلافة اهتمّ بالترجمة والتأليف، وأخذ يضمن شروط الصلح مع ملوك الروم إرسال كتب الحكمة. فكان أحد شروط الصلح بينه وبين ميخائيل الثالث الإمبراطور البيزنطي أن يهب له (للمأمون) إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينيّة وكان من بين ذخائرها الثمينة كتاب بطليموس في الفلك، فأمر المأمون بنقله إلى العربيّة وسمّاه المجسطي.
كما أنشأ المأمون في بغداد بيت الحكمة، وهو مجمع علميّ ومرصد فلكيّ ومكتبة عامّة، وأقام فيه طائفة من المترجمين من السريان وأجرى عليهم الأرزاق من بيت المال. وأرسل المأمون بعد ذلك بعثة علميّة لشراء كتب الحكمة من بلاد الروم مكوّنة من الحجّاج بن مطر، وابن بطريق، وسلّم صاحب دار الحكمة (ت 215هـ/830م) فأخذوا ممّا اختاره عددا كبيرا وحملوا إلى بغداد مجموعة كبيرة من كتب الفلسفة والمنطق والموسيقى والفلك وغيرها.
ازدهرت إذن الترجمة على أيدي العرب في الفترة الواقعة بن عامي 750-900 م، إذ عكفوا على ترجمة أمّهات الكتب السريانيّة واليونانيّة والفهلويّة الفارسيّة والسنسكريتيّة الهنديّة إلى العربيّة، وكان على رأس أولئك المترجمين في بيت الحكمة حنين بن اسحق الطبيب النسطوريّ حيث ترجم إلى اللغة السريانيّة مئة رسالة من رسائل جالينوس، وإلى العربيّة تسعا وثلاثين رسالة أخرى، وترجم أيضا كتب المقولات الطبيعيّة والأخلاق الكبرى لأرسطو، وكتاب الجمهوريّة، وكتاب القوانين والسياسة لأفلاطون.
فكان المأمون يعطيه زنة ما ينقله من الكتب ذهبا، وواصل ابنه اسحق أعمال الترجمة أيضا، فنقل إلى العربيّة من كتب أرسطو الميتافيزيقيا والنفس وفي توالد الحيوانات وفسادها، كما نقل إليها شروح الإسكندر الأفروديسي، وهو كتاب كان له أثر كبير في الفلسفة الإسلاميّة.
وكان يعمل معه نقلة مجيدون أمثال اسطفان بن باسيل، وموسى بن خالد، ويحيى بن هارون، وحبيش بن الأعسم، وعيسى بن يحيى بن إبراهيم  وكان قسطا بن لوقا يشرف على الترجمة من اللغات اليونانيّة والسريانيّة إلى العربيّة. وقد عيّن المأمون يوحنا بن البطريق الترجمان أمينا على ترجمة الكتب الفلسفيّة من اليونانيّة والسريانيّة إلى العربيّة، حيث تولّى ترجمة كتب أرسطو وأبقراط.
ما هي الترجمة
 سنحاول الإجابة عن هذا السؤال الذي قد يبدو للبعض بديهيا: ما سر هذا العلم  الضروري جدا والذي يشكل في نفس الوقت عملية مستحيلة؟ فلاسفة اللغة في الغرب تجاهلوا، من جانبهم، بشكل مريب ولحقبات طويلة، مسألة العلاقة القائمة بين العقل واللغة، ويكفينا النظر إلى ما يسمى بالموسوعة العالمية انسيكلوبيديي اونوفرساليس لنرى أنها تخصص للترجمة أقل من عمود بائس ضمن مجلداتها الـ22.
الترجمة هي عملية نقل من لغة إلى أخرى تفرض الحفاظ على درجة كافية من التشابه بين كيانين أحدهما ينبثق من الآخر وفي هذا المعنى أمامنا عملية لغوية تتضمن حزمة أو نسيجا معقدا ومتشابكا من العلاقات، وعليه فإن التحديات التي يواجهها المترجم تتلخص في إدراك طبيعة تلك العلاقات وصعوبة إيجاد توافق وانسجام ما بين تلك الكيانات.
الرابط الاصلى للمقال   من هنا 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *