د‏.‏ محمد عناني‏:‏ الأمة في خطر إذا ضاعت العربية

 
لان  كان قراء العربية يعرفون د‏.‏ محمد عناني قامة كبيرة في علم الترجمة‏,‏ فقد عرفه كل من اقترب منه واستمع إلي لغته العربية البديعة قامة كبيرة في لغة الضاد‏.

ومن أراد أن يحب العربية أو الإنجليزية, فلينصت إليه.. عندما بادرته بسؤال عما خسرته الثقافة العربية بإغفالها آداب الهند والصين واليابان وغيرها من ثقافات الشرق الأدني, سكت برهة أحسست فيها بحزن العالم علي وطنه, ورجع إلي الحديث غضبان أسفا, ذاكرا قصة زيارة عبد الناصر للهند والتي طلب قبلها ترجمة الأدب والفكر الهندي, وبعد أن تم له ما أراد,ذهب كل شيء بعد الزيارة هباء منثورا يؤمن إيمانا راسخا بوجود بذرة في كل مصر ي تأبي الاستسلام والهزيمة. عن الترجمة وشجونها نسأل بها خبيرا.
بعد فوز أديب صيني بنوبل, تلفت القارئ العربي ذات اليمين وذات الشمال ليجد شيئا مترجما له, فلم يجد, ألا يعد تقصيرا معيبا؟
كانت وزارة الثقافة في الستينيات قد وضعت مشروعا لترجمة أعمال جميع الحاصلين علي جائزة نوبل,وأشرف علي المشروع المرحوم د. محمد القصاص,وإبراهيم زكي خورشيد, وعثمان نوية, وكلفت في بداية حياتي بجمع معلومات عن جميع الحاصلين علي نوبل,وأتيت بالمعلومات من دائرة المعارف البريطانية, ثم ظهرت قصة التكاليف, أي: كم تتكلف الترجمة طباعة ونشرا, وتغير الوزير, فاختفي المشروع( عبد القادر حاتم).
وعندما جاء ثروت عكاشة رأي عدم ترجمة الأدب, بل ترجمة دائرة المعارف البريطانية نفسها, وكلف د. لويس عوض بتولي المشروع, وأخبره لويس بأن المشروع سيتكلف نصف مليون جنيه, فتعثر المشروع, كما تعثر من قبل مشروع نوبل, إذن وقفت المادة دائما عثرة أمام طموح المترجمين.
من المسئول عن الوقوع في أسر المركزية الأوروبية والأمريكية وإغفال آداب الهند والصين واليابان وغيرها ؟
كان هذا نتيجة طبيعية لعدم اهتمامنا بالشرق عموما, منذ النهضة الحديثة, اتجهت الأنظار تحديدا شمالا فقط.
بدأنا نشعربأهمية الشرق عندما تغير اتجاه الريح السياسية, تحديدا عندما عقد عبد الناصر ونهرو وسكارنو وتيتو مؤتمر عدم الانحياز الأول في باندونج, أي في اندونيسيا, وبدأ الاهتمام بآداب الشرق( الصين, دول جنوب شرق آسيا, اليابان) وأذكر أنه في عام59, قام عبد الناصر بزيارة إلي الهند, فطلب من هيئة الاستعلامات ترجمة كل ما يتعلق بالهند الفكر الهندي, الفلسفة الهندية,الأديان الهندية, الأدب الهندي, اللغات الهندية وكنت أحد أعضاء الفريق, حيث كنت طالبا في الجامعة, ولكنني كنت أمارس الترجمة, ولمدة أسبوع كامل ترجمنا ليلا ونهارا حشودا من الأدب الهندي,واكتشفنا الروعة التي فيه, ثم ألقي بذلك كله في غياهب النسيان,ولم يجمع منه شيء لأن هدفه كان فقط, تمهيد زيارة عبد الناصر للهند, لا تقديم الأدب الهندي إلي عقولنا وقلوبنا.
ماذا خسرنا ثقافيا من إغفال الآداب الشرقية وتجنب الاتصال معهم؟
خسرنا الكثير, فهذه آداب عريقة, مثل تراث الأدب الياباني الذي يضاهي تراث أي أمة, ولم ينتبه إلي ضرورة إنشاء قسم للغة اليابانية في جامعة القاهرة إلا المرحوم د. رءوف عباس الذي كان في اليابان, وعلم أن إسرائيل تنشئ قسما للغة اليابانية في الجامعة العبرية,, فأسرع بإرسال برقية( وهذه قصة مهمة) إلي عميد آداب القاهرة آنذاك المرحوم د. السيد يعقوب بكر وهو أستاذ اللغات الشرقية ومتخصص في اللغة الأمهرية لغة الحبشة فأنشأ بعد النكسة قسما للغة اليابانية, واليوم نفخر أن لدينا خريجين من قسم اللغة اليابانية يترجمون الشعر الياباني الهايكو والمسرح الياباني.
ولدينا الآن محطة إذاعة عربية في اليابان يتولاها مصريون.
المفروض الآن أن نترجم الأدب الياباني والصيني.
ألم نتأخر ؟
لا لم نتأخر لسبب, أن الظروف التاريخية فرضت علينا أولويات معينة, وهو أن نولي العلم والعلوم الطبيعية أهمية أكبر من الأدب والعلوم الإنسانية.
قس علي هذا الفنون الجميلة, حيث لم نكن نهتم بفنون الشرق الأقصي ولا حتي الأوسط, حتي أتي ثروت عكاشة وقدم لنا موسوعة الفنون العالمية, بما فيها الفن الهندي,وإلي الآن لا نعلم إلا أقل القليل عن الفنون الصينية,التي لا تزال غامضة وتحتاج إلي دراسة.
الآن أنا أقول إن اللحظة مناسبة الآن لكي نتجه شرقا,لماذا ؟ لأننا ارتمينا طويلا في أحضان الغرب,حتي أصبحنا نتصور أنه لا يوجد أدب إلا الأدب الغربي,ولا علوم إنسانية إلا ما لديهم.
علي ذكر نوبل, هل تبرئها من الهوي السياسي؟
إطلاقا, أكاد أقول إن50% من اعتبارات جائزة نوبل سياسية! لماذا؟ لأن أصحاب نوبل يحاولون الظهور بمظهر المحايد, ولكنهم في الحقيقة منحازون إلي ما يخدم فلسفة جائزة نوبل.
ولكن البعض يري أن طه حسين ويوسف إدريس كانا أحق بنوبل, أوكان اختيار محفوظ لأسباب غير أدبية ؟
اختيار محفوظ قام علي أسس موضوعية سليمة100% الفارق الوحيد, أن طه حسين ويوسف إدريس لم يترجما إلي اللغات الأوروبية في الوقت المناسب حتي يطلع عليهما العالم.
في حين أن محفوظ صادف حركة ترجمة, وحركة تغير اجتماعية وسياسية لفتت أنظار العالم إلي العرب, وهذه المصادفة تاريخية.
هل فقدت مصر ريادتها في الترجمة ؟
أنا لا أؤمن بفكرة التقسيم الإقليمي للوطن العربي, فنحن وطن عربي واحد, وآن الأوان ألا ننظر نظرة جادة إلي الحدود التي وضعها الاستعمار,
الكويت بلد عربي, فسواء نشرت في الكويت أو في القاهرة, فأنت تنشر بالعربية في كل مكان.
والعرب ينشرون عندنا ونحن ننشر عندهم, ونحن عرب وهم عرب, فمسألة مصري وعربي آن لها أن تختفي.
كيف تري العبارة الإيطالية أيها المترجم.. أيها الخائن ؟
هذه قولة حق يراد بها باطل, معناها أن المترجم مهما يحاول الأمانة مع النص الأصلي, فلن يقدمه كما هو وإنما يقدمه من خلال ذاته, ومن خلال خبرته الشخصية,لذلك فالعمل المترجم يجمع بين المؤلف الأصلي والمترجم, ولا يمكن أن يخلو عمل مترجم من أثر المترجم.
متي يكون المترجم خائنا؟
لا أحب المترجم أن يوصف بالخيانة,وأزعم أنني من أكثر المترجمين أمانة,بمعني أنني أترجم الشعر الأجنبي شعرا عربيا, والشعر العربي أترجمه شعرا إنجليزيا, وأنقل الصور الشعرية كما هي, ولكن هناك حدود للأمانة, هذه الحدود تفرضها اللغة التي يستخدمها المترجم, فأطوال الجمل تختلف.
قد تجد عبارة إنجليزية طولها أحد عشر سطرا, فلابد أن أقطعها إلي3 أو4 عبارات حتي يفهمها القارئ العربي, ستقول إن هذه خيانة؟ نعم, ولكنها خيانة مشروعة, لأن الهدف من الترجمة ليس وضع صورة ضوئية للنص الإنجليزي,وإنما تقديم معان للنص, فإن نجحت في تقديم المعاني كنت أمينا.
قدمت جهدا خارقا في ترجمة شكسبير شعرا, ما الذي دعاك إلي هذا الأمر الصعب لكثير من المترجمين؟
شيكسبير شاعر في المقام الأول, وهو يغير البحر الشعري وفقا للحالة النفسية للشخصية الدرامية, وإذا لم يستجب المترجم باعتباره قارئا وذواقة للشعر لهذا التغير الإيقاعي أو النغمي, فإنه يظلم الشاعر ظلما بينا.
كل ما هو مطلوب من المترجم أن يتمكن من لغته حتي يجاري النص الأصلي في تلون إيقاعاته الشعرية, والالتزام بالقافية إن كان النص الأصلي يلتزم بها,وهكذا, واضطرني هذا إلي أن أستوعب إيقاعات النص الأصلي حتي أجد له في العربية- أغني لغات الأرض- ما يقابله, ولم يكن هذا صعبا.
وهدفي من هذا لا يقتصر علي الأمانة لشكسبير, بل يتخطي ذلك إلي تعويد النشء علي قراءة الفصحي المعاصرة الإيقاعية, لا يسعد قلب المرء أكثر من أن يجد الجيل الجديد يتذوق الفصحي ويكتبها كتابة سليمة.
أيهما أمتع لك: الترجمة بالفصحي أم بالعامية ؟
هذا وسيط وذلك وسيط آخر, ولكل من الوسيطين ضروراته, ومباهجه.
فمثلا عندما ترد في نص شكسبير عبارة اطلع من دول حتعملهم عليس ز ز! لا يصح, فلابد أن تكتبها كما هي.
بصفتك كنت من التلامذة الحميمين للدكتور رشاد رشدي, يراه البعض مثالا للانفتاح في عصر السادات,وقد وصفته في أحد كتبك بأن أستاذ العلاقات العامة والأدب الإنجليزي؟
رشاد رشدي عاش حياته في ظل الملكية, ثم في ظل عبد الناصر, ولم يدرك السادات إلا في أواخر عمره, ورشدي اضطرته الظروف إلي أن يتعامل مع السادات, لأن السادات طلب منه أن يكتب له سيرته الذاتية( البحث عن الذات) فكتبها بالعربية وترجمتها أنا للإنجليزية.
علي ذكر رشاد رشدي, كتب الاستاذ العقاد مقالا بعنوان ما هذا العبط يا أستاذ ؟ ردا علي دعوة رشدي لاستخدام العامية.. ما رأيك في هذا المقال القاسي؟
العقاد أديب كلاسيكي أدي دورا خارقا في حماية مفهوم الدولة المصرية, وكان من الصعب عليه أن يري انصراف الناس عما قضي حياته في الدفاع عنه( الفصحي والشعر)أنا نفسي إلي الآن, أقرأ الشعر العامي, ولكن لا يزال في نفسي شيء منه,لا أستطيع أن أقول إنني أتذوق الشعر العامي- علي عظمة بعض نماذجه- مثلما أتذوق شعر المتنبي وشوقي.
أتلتمس للعقاد العذر في استخدام هذه اللغة القاسية دفاعا عن اللغة الفصحي؟
العقاد كان معروفا بقسوته وتطرفه, ولكنه كان يمثل مرحلة مهمة كنا نحتاج إليها مثلما كنا نحتاج إلي رشاد رشدي, حركة التاريخ لابد لها من الصدام,إذا لم يكن هناك صدام سيجمد التاريخ ويقف.
هل تخشي علي لغة الضاد في هذا الزمان؟
نعم, أخشي عليها جدا, لأن موجة العامية في أجهزة الإعلام كادت تنسي أجيالا جديدة حلاوة العربية, وأنا مصر علي مواصلة الترجمة بالفصحي المعاصرة, حبا فيها ودفاعا عنها, ورهانا عليها.
ولو حدث لا قدر الله مكروه للعربية سنضيع كلنا كأمة وكشعب.
وأنا مؤمن بوجود بذرة مصرية في كل واحد فينا تأبي الاستسلام والهزيمة, مهما يكن حولنا من صعاب.
ماذا خسرت الحياة الثقافية بتراجع المسرح؟
لا اقول تراجعا, ولكننا نحاول أن نمر بالمسرح المحدود إلي المسرح الجماهيري,لأن معظم المسرحيات التي تقدم الآن محدودة,إما تجريبية وإما عروضا خاصة, لكنها ليست جماهيرية,متي يصبح المسرح جماهيريا؟ عندما يقدم شكسبير الملك لير كما قدم يحيي الفخراني, ولو عدنا إلي تقديم شكسبير ستمتلئ الصالة بالرواد ولن تجد كرسيا خاليا.
أخيرا ماذا يبقي من شيكسبير في عصر المعلوماتية؟
كله, شيكسبير عبارة عن مخزن لخبرات بشرية لا تنفد.
الرابط الاصلى للمقال وقراءة التعليقات   من هنا 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *