الترجمة نقمة وخيانة والمترجم مركب تتقاذفه الأمواج

الترجمة الأمينة عملية لا تقبل التفاوض أو المرونة
ترجمة النصوص القديمة شكلت على مر العصور مسألة دقيقة ومعقدة بل وفي بعض الأحيان  معضلة حقيقية محفوفة بالمخاطر، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بنصوص خالدة  تحولت على مر الدهور إلى صرح عال لا يمكن المس به. “العرب” تعرض ملف ترجمة النصوص القديمة من خلال  مفاصل أساسية تتعلق بالترجمة ومشكلاتها وطرائق التعامل معها. محاولة من باحث عراقي طرح استراتيجية عامة للترجمة.
الترجمة، شأنها شأن كل فعل تواصل، تفرض علينا عملية ترجماتية ومسارا ترجميا دقيقا، وقد تكون هناك تراجم عدة ممكنة لنص بعينه، مما يضع المترجم أمام خيارات عديدة، بعض عوامل تلك الاختيارات تكمن في شخصية المترجم الثقافية وفي معتقداته والأمور التي  يفضلها وأهدافه وما هي الدوافع والأسباب التي قادته إلى اختيار نصوص دون غيرها.
الترجمة الأمينة الصادقة عملية لا تقبل التفاوض أو  المرونة، ولا  تنطلق من رأي شخصي ذاتي معين وإلا سقطنا في متاهات الأيديولوجية أي من حيث رؤية المترجم الشخصية للعالم. والأيديولوجيا أو الخيارات السياسية تفسد الترجمة وعملية الترجمة. هنا، يجب أخذ الأيديولوجية في معناها العام أي تلك المنظومة التي تقوم على التصنيف أو التبويب وفق أولويات ورؤية محددة للعالم أو وفق جملة من المعتقدات المفترضة ضمنا والتي تقود أو توجه  فردا أو مجموعة من الأفراد . ذلك أن الأيديولوجيات ممكن أن تكون فردية أو جمعية، ولما كانت اللغة والترجمة وسيلتين للتواصل ونقل الآراء والأفكار، فإنه تحتم عليهما  كذلك أن تكونا نقطة لقاء مفضلة، وفي نفس الوقت نقطة مواجهة وتصادم ما بين مختلف النزعات والميول والأهداف المتشابهة أو المتحالفة أو المتخالفة او المتضاربة. ولدينا في هذا الميدان مع الأسف أمثلة كثيرة على التحوير والتحريف في ترجمة النصوص الأصلية التي تم تفسيرها وتأويلها في بعض الأحيان وفق قوانين القوة الإعلامية الغاشمة.
ونموذجا على ذلك، ترجمة النصوص القديمة  والتلاعب بالحفريات والتنقيبات الأثرية التي تحتم علينا نحن أهل البلد إعادة كتابة تاريخنا الذي شوهه الاستشراق الأيديولوجي ضمن خيارات سياسية باتت معروفة، مما يقطع الشك باليقين، أن الترجمة كانت لأهداف أيديولوجية استعلائية استهدفت تمرير وجهة نظر أوروبية بحتة، ضاربة بعرض الحائط تاريخ وحضارة الشعوب الأصلية.
وهكذا، فإن الخيارات التي يفرضها المترجم في نقل رسالته تعكس وجهة نظر معينة، لنأخذ مثلا لفظة “قرادو” البابلية، ومعناها القوي والصلب الصنديد، والتي وردت في ملحمة كلكامش وقال بعضهم إنها تدل على الأكراد، استغلها الأكراد لتحقيق مكاسب سياسية.
تحريف التاريخ
لقد استخدمت هذه اللفظة لتعزيز مطالب بعض الأحزاب الانفصالية الكردية المدعومة أميركيا لتوسيع نفوذها وتفتيت العراق، علما أنه ليس للأكراد تاريخ مدون وأن جميع المناطق التي يطالبون بها اليوم هي مناطق عراقية آرامية مسيحية بحتة، والذي ينطبق على الترجمة ينسحب على الحفريات الأثرية أيضا كالنحوت البارزة الأشورية التي تبين أسرى حرب زعموا، في نشراتهم الوافرة والمدعومة بماكنة إعلامية ضخمة، بأنهم أسرى عبران أو بما يتعلق برقيم قورش الميدي (القرن السادس قبل الميلاد) الذي سمح لجميع المغتربين بالعودة إلى ديارهم ولم يُسمِ ديانة أو أصلا واحدا منهم على الإطلاق، ولكنهم قالوا، محرفين ومروجين، إن أسطوانة “قورش” سمحت للمسبيين اليهود بالعودة إلى فلسطين. وهكذا يحرفون التاريخ ويكذبون ويبنون المستقبل والسياسات على الخرافات والأساطير.
وفي مضمار آخر، ينطبق البعد الأيديولوجي أيضا على الأفلام السينمائية التي تحاول تكييف الرواية بصيغة سينمائية والتي غالبا ما  خيبت آمالنا بعد مشاهدتها. وطالما قلنا وأكدنا أننا نفضل الكتاب على نسخته السينمائية، فهل يا ترى باستطاعة المترجم أن يتجاوز شخصيته فيكون شموليا بمعنى تلك الشخصية التي تنتمي إلى حضارات وثقافات متعددة؟ وهل يستطيع الارتقاء بدور الفنان لكي يكون حلقة وصل ومرآة عاكسة لحضارات وثقافات متعددة وآراء ومفاهيم ثقافية ولغوية مختلفة ومتحركة؟ ذلك أن الحدث والإنسان هما أبناء المجتمع والركيزتان الأساسيتان لقيمه. فالإنسان يتصل اتصالا حيا بحركة المجتمع  يتقدمه من ناحية ويكون جزءا منه من ناحية أخرى ولا يمكننا التحدث عن الترجمة بصورة معزولة عن الزمن وتفاعلاته، ذلك أن هوية الفرد أو هوية مجموعة من الأفراد ليست ثابتة ومستقرة بحد ذاتها وإنما هي في تكون وتحول مستمرين حية ومتفاعلة  تتخللهما عوامل متشابكة نسبية بخاصة تلك التي تتعلق بالحياة الاجتماعية  لمرحلة معينة. وحتى الحقائق المطلقة تصبح نسبية  في ارتباطها بالزمن، والترجمة ليست عملية ميتافيزيقية متكلسة، إنها عملية إنسانية متقلبة متغيرة شأنها شأن الإنسان،  لها حدودها وإخفاقاتها ونجاحاتها. إذن، فمن الضروري التركيز على أن ما نفكر فيه وما نفعله وما نقوله وحتى ما نترجمه نابع من صلب بيئتنا. وهنا تتداخل علوم النفس التحليلية والعلوم الاجتماعية وعلوم الآثار والتاريخ والجغرافيا وميادين عديدة أخرى.
نعمة أم نقمة
يتفق الجميع على أن الترجمة هي  نقمة وخيانة، ولم تكن نعمة يوما من الأيام، أعني خيانة النص الأصلي. لكن الخيانة هنا غير مقصودة، هي خيانة تفرض نفسها لأسباب ذكرناها. ذلك لأن هدف المترجم  بالدرجة الأولى هو الأمانة والإخلاص والصدق فيما ينقله… والمشكلة تكمن في كون اللغة تعكس رؤية محددة وضيقة من العالم والمترجم طبعا سيحيد عن النص الأصلي ولكن رغما عنه، اللغة الأم التي تسيطر على جوانحه، تلك اللغة التي تقنن روافد إلهامه العارم. إذن، يمكننا تشبيه الترجمة باستنساخ تمثال من المرمر في مادة أخرى لنقُل الخشب أو الصلصال أو الطين، فالمرمر يختلف تماما عن الخشب والطين وللمرمر حساسية فائقة ورائحة خاصة وحس مختلف، ونحت المرمر له قوانينه الطبيعية الفنية وأدواته المعينة التي تختلف عن أدوات وآلات نحت الخشب أو التصرف بالطين، وردود أفعال تلك المواد بالنسبة إلى المنقاش أو الإزميل أو المطرقة معروفة للجميع، وتثير أحاسيس مختلفة. وإذا حاولنا استخدام نفس آلات النحت أتلفنا المادة وضيعنا وقتا ثمينا وابتعدنا عن طريق الحكمة ولن نصل إلى الهدف المنشود.
وهكذا فالترجمة هي في الحقيقة إعادة كتابة النص والامتثال لقوانين لغة جديدة  تعبر عن رؤية مختلفة للأشياء مما يقتضي من المترجم أن يكون فنانا حقيقيا، أي أن ينفخ الحياة في التعابير الشعرية … والترجمة الشعرية بالذات تضع على المحك  كل كيان المترجم  شاعرا  كان أم لا، وتفرض بل وتتطلب منه حسا وإدراكا عميقيْن للنص وتعقيداته وفك طلاسمه ونكرانا للذات والانفتاح على الآخر.
وباختصار عليه أن يتحلى بكمية لا بأس بها من التسامح أو محبة الآخر، وهكذا على المترجم أن يغوص في النص لاستكشاف خفاياه وثناياه ليتمكن من قراءته مليا بعين وحساسية الفنان أو النحات ويصغي بملء أذنيه ويفتح ملء عينيه بحيث يصبح للكلمة بُعد سحري يتجاوز بُعدها الدلالي، أو بصورة أدق: يصبح للكلمة مهمة  قيمية تتجاوز وصف الأشياء والعلاقات بينها، بل تتعداها في سعيها إلى إحداث أثر سحري على من يخاطبهم  ليكون قدوة للمثل  العربي الذي كان يردده أبتي رحمه الله كل لسان إنسان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *